والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم . واشتقاقه من الحياة . يقال: حيي الرجل ، كما يقال: نسي وحشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعتريه من الانكسار والتغير ، منتكس القوّة منتقص الحياة ، كما قالوا: هلك فلان حياء من كذا ، ومات حياء ، ورأيت الهلاك في وجهه من شدّة الحياء . وذاب حياء ، وجمد في مكانه خجلًا . فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه به ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم ، وذلك في حديث سلمان قال:
( 26 ) قال رسول الله A:"إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفرًا حتى يضع فيهما خيرًا"قلت: هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفرًا من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه . وكذلك معنى قوله: { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ } أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها . ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة ، فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلًا بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال . وهو فنّ من كلامهم بديع ، وطراز عجيب ، منه قول أبي تمام:
مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّها ... أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ
وشهد رجل عند شريح . فقال: إنك لسبط الشهادة . فقال الرجل: إنها لم تجعد عني . فقال: لله بلادك ، وقبل شهادته . فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة . ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار . وسبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها . ولله درّ أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها ، لا تكاد تستغرب منها فنًا إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسدّ مدارجه . وقد استعير الحياء فيما لا يصحّ فيه:
إذَا مَا اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ ... كرَعْنَ بِسبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ
وقرأ ابن كثير في رواية شبل: «يستحي» بياء واحدة . وفيه لغتان: التعدّي بالجارّ والتعدي بنفسه . يقولون: استحييت منه واستحييته ، وهما محتملتان ههنا .
وضرب المثل: اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم . وفي الحديث:
( 27 ) "اضطرب رسول الله A خاتمًا من ذهب"و { مَّا } هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهامًا وزادته شياعًا وعمومًا ، كقولك: أعطني كتابًا مّا ، تريد أيّ كتاب كان . أو صلة للتأكيد ، كالتي في قوله: { فبما نقضهم ميثاقهم } [ النساء: 155 ] كأنه قيل: لا يستحيي أن يضرب مثلًا حقًا أو البتة ، هذا إذا نصبت { بَعُوضَةً } فإن رفعتها فهي موصولة ، صلتها الجملة؛ لأن التقدير: هو بعوضة ، فحذف صدر الجملة كما حذف في