نقضي محبة المدح إليه من تعاظم الممدوح في نفسه وذلك ينافي كمال التوحيد فإن العبادة لا تقوم إلا بقطب رحاها الذي لا تدور إلا عليه وذلك غاية الذل في غاية المحبة وكمال الذل يقتضي الخضوع والخشية والاستكانة لله تعالى وأن لا يرى نفسه إلا في مقام الذم لها والمعاتبة لها في حق ربه وكذلك الحب لا تحصل غايته إلا اذا كان يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله من الأقوال والأعمال والإدارات ومحبة المدح من العبد لنفسه تخالف ما يحبه الله منه والمادح يغره من نفسه فيكون آثما فمقام العبودية يقتضي كراهة المدح رأسا والنهي عنه صيانة لهذا المقام فمتى أخلص العبد الذل لله والمحبة له خلصت أعماله وصحت ومتى أدخل عليها ما يشوبها من هذه الشوائب دخل على مقام العبودية بالنقص أو الفساد وإذا أداه المدح الى التعاظم في نفسه والإعجاب بها وقع في أمر عظيم ينافي العبودية الخاصة كما في الحديث الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني شيئا منها عذبته وفي الحديث لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر وهذه الآفات قد تكون محبة المدح سببا لها وسلما إليها والعجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وأما المادح فقد يفضي به المدح إلى أن ينزل الممدوح منزلة لا يستحقها كما يوجد كثيرا في أشعارهم من الغلو الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه و سلم وحذر أمته أن يقع منهم فقد وقع الكثير منه حتى صرحوا فيه بالشرك في الربوبية والإلهية والملك كما تقدمت الإشارة الى شيء من ذلك والنبي صلى الله عليه و سلم لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يمدح صيانة لهذا المقام وأرشد الى ترك ذلك نصحا لهم وحماية لمقام التوحيد عن أن يدخله ما يفسده أو يضعفه من الشرك ووسائله فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم