الجامعة، فأخذت أفكر في تأليف هذا الكتاب، ومع ذلك فقد أكرهت نفسي على كتابته؛ أولًا
لأنه لا ينبغي بوجهٍ من الوجوه أن نتردد في إعلان ما نعتقد أنه نافع، ثم لأني كنت مقتنعًا
بأن الفكرة الصحيحة لا بد من أن تنبت قريبًا أو بعيدًا، مهما تكن الصخرة التي تُلقى
عليها هذه الفكرة يابسة صلبة.
ولم آسف على نشر هذا الكتاب، فقد قرأه قراءٌ كثيرون لم أكن أنتظر أن يقرءوه،
وكان له أثر خاص كنت له أقل توقعًا، لم يحدث هذا الأثر في الجامعة التي بلغت منها
الشيخوخة أن أصبحت غير قابلة للتغيير، وإنما حدث في طبقة من الناس لم أكن قط قد
فكرت فيهم.
ذلك أن مباحثي قد كان لها صدى في مدرسةٍ خطيرة قد خُصصت لتخريج قوادنا
العسكريين، أريد المدرسة الحربية التي حماها حسن الحظ من تأثير الجامعة، فقد عني
أساتذة علماء كالجنرال بونال والكولونل دي مودوي وآخرين كثيرين بتعليم المبادئ
الأساسية المبسوطة في هذا الكتاب بطبقةٍ نابهة من الضباط.
ذلك أن نفع طرائق التعليم التي تسمح بتنمية الحكم والتفكير والملاحظة والإرادة
وضبط النفس كان يجب أن يظهر في صناعة الحرب بنوعٍ خاص.
فإن اكتساب هذه الخلال وتحويلها إلى صفاتٍ عادية لا يشعر بها صاحبها حتى
تصبح مصدر سيرتنا هو فن التربية، وقد فهم الضباط فهمًا صحيحًا ما لم يستطع رجال
الجامعة أن يلموا به إلمامًا، وقد ظهر على ذلك دليل جديد في الكتاب الحديث الذي نشره قومندان أركان الحرب المسيو جوشير بعنوان «بحث في نفسية الجند والقيادة» ،فيه نُشرت المحاضرات التي ألقاها على الضباط وفصَّل فيها طرائق التعليم التي بسطها معتمدًا على النتائج الحديثة لعلم النفس، ولعل جامعتنا تخضع لهذا الإصلاح الذي ترفضه بواسطة
الجيش.
ثم لم يبدأ رواج أصول التربية المبسوطة في هذا الكتاب في الجيش الفرنسي وحده،
فقد قال كاتب في بحث مفيد جدٍّا نشرته المجلة البحرية العسكرية في إنجلترا في 8 مايو
جسنة 1909 ما يأتي:
لم تعرف التربية قط تعريفًا بلغ من الوفاء والدقة ما بلغه تعريف جوستاف لوبون؛ إذ يقول:
«إن التربية هي الفن الذي يمكِّن من إدخال الشعوري في اللاشعوري» ، وقد قبل رؤساء أركان
الحرب الإنجليز هذا الأصل على أنه أساس للوحدة بين العقيدة والعمل في التربية العسكرية،
هذه الوحدة التي نحن محتاجون إليها.
ثم يُظهر المؤلف بإتقانٍ تطبيقي هذا المبدأ في التعاليم العسكرية الإنجليزية الجديدة،
ذلك أن رؤساء أركان الحرب الإنجليز قد عرفوا أن ليس العقل هو الذي يبعث على العمل
في ميدان الحرب وإنما هي الغريزة، ومن هنا وجب الاجتهاد في تحويل الشيء المعقول إلى شيءٍ
غريزي بنوعٍ خاص من التربية، فاللاشعوري هو مصدر القرارات السريعة، «يجب أن تصبح المهارة
ووحدة المذهب شيئًا غريزيٍّا بفضل التربية» ... ،ذلك أحسن ما يمكن أن يُقال.