ثم يحاول المؤلف أن يبيِّن أسبابًا أخرى دعت إلى عجز الأستاذ عن النفع، فيذكر
كلامًا كثيرًا وينقل كلامًا كثيرًا، ونستطيع نحن أن نلخص هذا وذاك في أن أكثر الأساتذة
يخرجون عادة من الطبقات الدنيا، فليست لهم تربية قوية ممتازة، وليست المدارس
قادرة على أن تعوض عليهم هذه التربية التي لم يجدوها في الأسرة، ومن هنا ينقص
اعتبار الناس لهم وتقديرهم إياهم، ويشعر الأساتذة بهذا النقص فيسخطون على
الجماعة ويمقتونها، ويضطرهم ذلك إلى أن يؤدوا أعمالهم بطريقةٍ آلية غير معني بها،
فيستحيلون إلى عمال آليين كغيرهم من الذين يعملون في مصالح الدولة، بينما أساتذة
المدارس التي يقوم عليها رجال الدين يبرَّءون من هذا العيب؛ لأن تربيتهم الأولى قد
تسوء، ولكن تربيتهم المدرسية بحكم صناعتهم الدينية منظمة متقنة، تعودهم أن يكونوا
من مراعاة الآداب والبيئات المختلفة، بحيث يستطيعون أن يجالسوا ويعاشروا أرقى
الطبقات دون أن يشعروا بضعةٍ أو يكونوا موضع ازدراء، فالعيب الأساسي الذي يحول
بين أساتذة الدولة وبين النفع هو سوء التعليم من جهةٍ وسوء التربية من جهةٍ أخرى،
ويلاحظ المؤلف أن لهذه القاعدة استثناء ولكنه لا يكاد يذكر، ويود المؤلف لو شجعت
الدولة هؤلاء الأفراد القليلين الذين يشذون عن القاعدة.