فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 105

عجيبٌ أننا نقبل في غير تردد أن انتقال الآراء والعقائد من موطنٍ إلى موطن يفسدها

ويغيرها، دون أن نؤمن بهذا نفسه بالقياس إلى آرائنا وعقائدنا، فنحن نقبل أن انتقال

البوذية من الهند إلى أنام قد غيَّر فيها شيئًا كثيرًا، ولكنا لا نريد أن نصدق أن انتقال

مبدأ الحرية والمساواة والتضامن إلى هذه البلاد يغيره أو يؤثر فيه، ومع هذا فقد أظهرت

التجربة أن الأناميين لا يفهمون هذه المبادئ كما نفهمها ولا يقدرونها كما نقدرها، ولقد

أحسسنا ذلك وبلوناه فاضطررنا إلى إلغاء الجامعة الهندية الصينية التي أنشأناها لنشر

العلوم والمناهج الأوروبية باللغة الفرنسية في الشرق الأقصى، والتي كانت تتألف من

أقسامٍ مختلفة للحقوق والإدارة والعلم والأدب، ألغينا هذه الجامعة؛ لأننا رأينا أنها لم

تخرِّج إلا شبانًا متهوسين خطرين علينا وعلى أمتهم.

تخضع الشعوب في تطورها لقوانين لا منصرف عنها، ومع هذا فنحن نؤمن بقدرة

الثورات على تغيير العالم، ونؤمن بقوة القوانين على إصلاح النظم المختلفة، حتى لقد

كتب مسيو» فوييه «يقول» :إننا نرى في القوانين عصا سحرية تمس النظم فتصلحها،

يكفي أن نصدر القانون لتتغير الأخلاق والعادات والملكات:

المادة الأولى: الفرنسيون جميعًا فضلاء.

المادة الثانية: الفرنسيون جميعًا سعداء «.

وقد أظهرت التجربة ألا نفع للتربية إذا لم تكن ملائمة لما استقر من الأخلاق

والعادات والنظم، وإذن فيجب أن نلاحظ هذه القاعدة في تربية المستعمرات ولا سيما

في التعليم، فيجب أن يكون هذا التعليم ملائمًا لأطوار هذه المستعمرات، وإذا حققنا

النظر في أمور هذه المستعمرات عرفنا أن التعليم الأولي وحده يكفي لحاجاتها، فهي

غير محتاجة إلى التعليم الثانوي والعالي بل غير قادرة على احتمالها، يجب أن تجتنب

في هذه المستعمرات بنوعٍ خاص الفلسفة والحقوق والسياسة والأخلاق، يجب أن نكتفي

بالتعليم الأولي وبالتعليم الفني، بل وأن نسير في هذا التعليم الفني على حذرٍ شديد، فليس

ينبغي أن ننقل إلى هذه المستعمرات من التعليم الفني إلا ما هي محتاجة إليه، التعليم

الزراعي في البلد الزراعي والتعليم الصناعي في البلد الصناعي، بل يجب أن نقتصد في

هذا أيضًا فلا نعلِّم أهل البلاد الحارة زراعة البلاد المعتدلة. يجب أن نبدأ في هذا التعليم

مقتصدين فنغير في هدوءٍ ولطف، ما ألِف هؤلاء الناس من مناهج الزراعة والصناعة

قليلًا قليلًا، فإذا أردنا أن نُدخل عليهم من الزراعة والصناعة ما لم يألفوا فلنترفق في

ذلك ولنقتصد فيه ولنتبع هذه القاعدة حتى مع المستعمرات التي تسكنها أممٌ متحضرة

كالأناميين والعرب، هذه الأمم ليست في حاجة إلى المهندس ولا الطبيب من أبنائها وإنما

هي في حاجةٍ قبل كل شيء إلى الزارع والعامل، في هذا النحو من التعليم نفعها وفيه

نفعنا أيضًا. فإذا جاء الوقت وتمكنت هذه الأمم بحكم التطور البعيد الطويل من أن

ترقى إلى التعليم الثانوي أو العالي فلتأخذ بنصيبها منه، يجب أن تتقي الإسراف في كل

شيء. 1

1 يجب أن يلاحظ القارئ أن العالم قد ترك مكانه في هذا الفصل للمستعمر، وليس يعنينا من المؤلف

أن يؤثر العلم على الاستعمار أو الاستعمار على العلم، فهو فرنسي يبحث عن نفع فرنسا، فيخطئ مرة ويصيب أخرى، وإنما الذي يعنينا هو أن نلفت القارئ إلى أن هذه المناهج التي يعرضها المؤلف لتعليم المستعمرات قد اتخذها الفرنسيون وغير الفرنسيين فلم يفلحوا. وانظر إلى ما وقع في مصر وغير مصر ...

فليست المسألة هي منهج التعليم في المستعمرات، وإنما المسألة هي الاستعمار نفسه. يريد المؤلف وأمثاله أن يوفقوا بين مبدأين متناقضين لا سبيل إلى اتفاقهما، مبدأ الاستعمار ومبدأ الحضارة، فالاستعمار يستلزم الإذلال والاستعباد، والحضارة تستلزم الحرية والاستقلال، ومهما يكن سلطان الأمم القوية فلا بد من أن تضطر في يومٍ قريب أو بعيد إلى أن تعترف بفشل الاستعمار، ذلك أن ظروف الحياة قد تغيرت فأصبحت هذه الأمم القوية لا تستطيع أن تستغل مستعمراتها إلا إذا بثت فيهم فكرة الحرية والطموح إلى الاستقلال.

فالاستعمار يهدم نفسه بنفسه، وكذلك الأمر في كل شر وفي كل جور (المترجم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت