ولذا لما تقدمت السنون جاء النحاس في القرن الرابع وكان أول من فرق بين المسميات، وظهرت عنده حدود المصطلحات، إذ كان له كتابان سمى الأول (معاني القرآن) والثاني (إعراب القرآن) وهذه أول تفرقة بين الإعراب ومعاني القرآن في العنوان والمضمون [1] ، ذلك أنه خص الأول بالتفسير اللغوي للقرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من إعراب القرآن الكريم بخلاف جميع كتب معاني القرآن التي سبقته حيث كان الإعراب يشكل نسبة كبيرة منها كما سبق. بينما جعل الكتاب الثاني مستقلا بالإعراب والأوجه النحوية والخلاف فيها كما يشير العنوان بكل وضوح.
والشاهد من هذا هو أن مصطلح (معاني القرآن) قد تشكل بعدد من الأشكال:
-فهو يطلق ويراد به مجموع ما يتعلق بالإعراب، وتفسير الغريب وبيان مشكل القرآن.
-ويطلق ويراد به ما دون الإعراب من تفسير للغريب وبيان للمشكل.
وكل هذا قد ظهر في كتب (معاني القرآن) المعروفة.
أما كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة [2] فقد اختلف في تسميته، وذُكرت له أسماء عديدة، إذ سُمِّي بـ (غريب القرآن) و (معاني القرآن)
(1) كتاب الزجاج قبله كانت فيه التفرقة في العنوان دون المضمون حيث أضاف الإعراب إلى المعاني فيه فسماه: (معاني القرآن وإعرابه) .
(2) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي تيم قريش لا تيم الرباب مولاهم. أحد علماء البصرة من طبقة الخليل الذين انتهى إليهم علم اللغة والشعر، ومن أوسع النَّاس علما بأخبار الْعَرَب وأيامها. ولد سنة عشر ومائة، في الليلة التي مات فيها الحسن البصري.
أخذ عن يونس بن حبيب وأبي عمرو بن العلاء. وروى عنه علي بن المغيرة الأثرم، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو عثمان المازني، وأبو حاتم السجستاني، والتوزي وهو ممن اختص بالأخذ عنه حتى نسب إليه، وغيرهم.
قال الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجيّ ولا إجماعيّ أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة.
وقال المبرد: كان أبو عبيدة عالمًا بالشعر والغريب والأخبار وأنساب العرب، وكَانَ أعلم بِالنّسَبِ من الْأَصْمَعِي، وَكَانَ الْأَصْمَعِي أعلم بالنحو مِنْهُ. وقال: كان أبو زيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكانا بعد يتقاربان، وكان أبو عبيدة أكمل القوم.
وَله تصنيف كثير فقد قيل إن تصانيفه تقارب المائتين، وهو أول من صنف غريب الحديث.
ولتصنيفه كتاب (المجاز) قصة، وفيها أنه سئل في مجلس الوزير عن قوله تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِين) وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف. فقال: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن الوزير ومن معه جوابه، قال أبو عبيدة: واعتقدت من ذلك اليوم أن أضع كتابًا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه؛ فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته المجاز.
وقد اعتُرض على كتابه هذا وكثُر منتقدوه، وكان يدافع عن نفسه، ومن ذلك أنه قال للأصمعي: ما تقول في الخبز؟ قال: هو الذي نخبزه ونأكله، فقال له أبو عبيدة: فسرت كتاب الله برأيك، قال الله تعالى: (إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا) فقال له الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته، لم أفسره برأيي، فقال له أبو عبيدة: وهذا الذي تعيبه علينا، كله شيء بان لنا فقلناه ولم نفسره برأينا؛ ثم قام فركب حماره وانصرف. ويراجع آخر الفصل التالي لمزيد بيان.
وقد اتهم بشيء من رأي الخوارج، وكثر عليه الطعن بسبب قسوته على أقرانه ومخالفيه، حتى قيل لم يحضر جنازته أحد.
توفي سنة تسع ومائتين في أكثر الأقوال، وقيل غيره. ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص: 53 - 56) تاريخ العلماء النحويين (ص: 211، 212) نزهة الألباء (ص: 87 - 90) معجم الأدباء (6: 2704 - 2709)