كان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به، وإذا خلق رائحة منتنة، أو طعمًا مرًا، أو صورة قبيحة، ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح، لم يكن هو متصفًا بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة المكروهة والأفعال القبيحة، ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها، وسببًا لذمه وعقابه، وجالبة لألمه وعذابه، وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به لا على الخالق الذي خلقها فعلًا لغيره) [1] .
قال الشيح ابن سعدي ـ رحمه الله ـ: (إن الله كما أنه الذي خلقهم ـ أي الناس ـ، فإنه خلق ما به يفعلون من قدرتهم وإرادتهم؛ ثم هم فعلوا الأفعال المتنوعة: من طاعة ومعصية، بقدرتهم وإرادهم اللتين خلقها الله) [2] .
ـ (أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يفعل مايفعل لحكمة يعلمها هو، وهو يُعْلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه، وقد لا يعلمون ذلك، والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرساله محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قال ـ تعالى ـ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [3] يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ"إنه سبحانه حكيم، لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة، وهي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا" [4] ، وأدلة أهل السنة مستفيضة في الكتاب والسنة لا تخفى على من له أدنى إلمام بالكتاب والسنة، وقد أطال ابن القيم النفس جدًا للاستدلال لها، فذكر أكثر من اثنين وعشرين نوعًا من الأدلة، كل نوع يحوي مجموعة من النصوص، وقد نقض في أثناء عرض الأدلة المذاهب المخالفة، ورد عليها [5] ، كما رد ابن تيمية
(1) القدر لشيخ الإسلام (ص 121 - 123) .
(2) الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية، للشيخ ابن سعدي (ص 18) .
(3) سورة الأنبياء، الآية: 107، وانظر في هذا"مجموعة الرسائل الكبرى"1/ 335.
(4) شفاء العليل ص 190.
(5) انظر شفاء العليل ص 185 إلى 206، وانظر أيضًا: مفتاح دار السعادة لابن القيم 2/ 42 وما بعدها.