فالشورى الإسلاميّة لم تجعل إلا فيما لا نص فيه، كما أن المسائل الاجتهاديّة محل الشورى يجب ألا تخرج عن القواعد العامّة في الشريعة الإسلاميّة.
إن التأزّم لهذا المبدأ العظيم في واقع الأمّة الإسلاميّة كما قلنا ليس وليد الساعة بل هو نتاج تراكمات، وما يهمّنا في هذا المقام أن أبرز هذه المظاهر هو التباس المفاهيم، وضياع مقدّرات الأمّة باستبداد الحكّام، وإذا كنّا نبحث عن نظام ما في أوّل هذا القرن واتجهنا نحو الديموقراطيّة الغربيّة، فإننا إبان التحرّر من الاستعمار كنّا ماقتين لها، ونحاول قدر استطاعتنا بعد تحرّرنا أن نعود لمنهجنا، إلا أن الواقع ينطق بغير ذلك، فها نحن نعود لمثل هذه الأنظمة التي سادت مجتمعنا، بل وأصبحنا نحاسب من قبل الدول الغربيّة إن خالفنا هذا النظام الذي يملى علينا، وبشكل أو بآخر فإننا نعيش في استعمار مقنّع لا ندرك أننا نعيش فيه، وها هو (مشروع الشرق الأوسط الكبير) كأبرز مظاهر أزمة الشورى في الواقع المعاصر تزّفه لنا الولايات المتّحدة الأمريكيّة كمنهج لإصلاح الواقع الذي نعيشه.
{مشروع (الشرق الأوسط الكبير) كأبرز مظاهر أزمة الشورى في واقع المسلمين في الألفيّة الجديدة}
يعد مشروع الشرق الأوسط الكبير من آخر ما قدّمته لنا الحضارة الغربيّة، وقد دار جدال عارم ما بين مؤيّد ومعارض لهذا المشروع الأمريكي، وما قد سمحت به الولايات المتّحدة الأمريكيّة لنفسها من أن تحتل بلاد المسلمين بدعوى محاربة الإرهاب والاستبداد، وإحلال الديمقراطيّة والحرّيّة ما هي إلا أقنعة لنوايا خبيثة لا تبغي الولايات المتّحدة الأمريكيّة من وراءها إلا الوصول إلى مصلحتها بلبس المفاهيم، وتدمير المعايير، والتي ستؤدّي بها في النهاية إلى تحقيق سيطرة أكبر على الأمّة ومقدّراتها.
ولا أعتقد أن سائلا يسأل نفسه عن سبب هذا الكبر الأمريكي الذي يتهدّد العالم الإسلامي إذا لم يكن طوعا لرغباته إلا ويجيب عن قناعة بأن تأزّم الواقع الذي يعيشه المسلمون في مجتمعهم يرجع بشكل كبير إلى ضعف النظام الذي ينظّم حياتهم، وابتعادهم بشكل كبير عن التنظيم الإسلامي للحياة والعلاقات المختلفة لها، لا سيّما ابتعادهم عن التطبيق الصحيح للشورى الذي هو عماد المستقبل، وما يمكن من خلاله أن تتأّسس القوّة الإسلاميّة عليه، ومن ثم ترتقي إلى مرتبة الخلافة التي يتحقق من خلالها النهوض بالأمّة في