ومن هذا المنطلق، وبشكل منطقي فإنّنا نجد أن الكفاءة العقليّة، والقدرة العقليّة ليست ملكة عند كل إنسان، ولكنها موجودة عند جميع الشعوب، وتختلف درجة استثمارها بين شعب وآخر بحسب درجة الوعي عندهم.
ومن هذا المنطلق كذلك ينبغي أن يكون التفعيل لمبدأ الشورى من خلال منهج الدين، ومنطق العقل، وواقع المجتمع وفلسفته، وهنا سنجد الأزمة التي نعاني منها تنكمش تدريجيا وتوشك على الانتهاء في واقع المسلمين، إلا أن المسؤوليّة في ذلك تقع بشكل كبير على القيادة الواعية للأمّة، والتي لها دور كبير في تفعيل مبدأ فهم الأفراد لدورهم في بناء المجتمع الإسلامي.
إن القضيّة المطروحة ليست هي الوقوف على مبدأ الشورى ومدى تفعيله في الواقع، وضعف هذا التفعيل وأسبابه ومظاهره، بل هي قبل ذلك محاولة لفهم منهج هذا المفهوم، ودوره، وآليّة تفعيله على أرض الواقع، أي أنّنا قبل أن نتّصل بالواقع في عمليّة التفعيل لا بد من إعداد المنهج النظري المتلائم مع هذا الواقع، والمنطلق من المنهج الشرعي، كما يجب علينا قبل أن نربطه بالواقع أن نعمل على إيجاد الآليّة العمليّة التي تكفل التفعيل الجيّد له على أرض الواقع.
إن ما نجده اليوم من مجالس شورى في بعض الدول العربيّة والإسلاميّة هو امتداد لحقبة الزمان السابقة، وأعني بهذه الحقبة عصر ما بعد الخلفاء الراشدين، وهو عصر اللإلزاميّة لهذا المبدأ العظيم، وما نريده الآن هو إشراك صفوة المجتمع في تحديد مصير الأمّة في شتى القضايا محل التشاور، ولا ينبغي أن يكون مصير هذه الأمّة مرهونا بيد طائفة من الناس هي التي تكون المسيطرة على الواقع السياسي في البلاد.
إننا نعيش أزمة الشورى الممتدّة منذ قرون وهي على هذه الحال، ولا بد أن نضع في حسباننا أن هذا الامتداد لا يمكن أن تحصل فيه نقطة تحوّل بين يوم وليلة، بل يحتاج إلى مراحل نتجاوز فيها عن سلبيات كثيرة تأصّلت في واقعنا، ولن يكون ذلك إلا بالعقول الناضجة للمفكّرين في هذه الأمّة، والذين فقدوا دورهم الفعّال في عكس وجهات نظرهم على أرض الواقع، ولم يعد لهم أي وجود إلا في ما سطّرته أقلامهم على الصفحات، والذي ليس له إلا القراءة والاستيعاب.