مواجهة التحديات ... منهج العودة للمنابع النقيّة نستلهم خير ما فيها، ثم نطوّر هذا الخير ونجري عليه التحديث كي يلائم مستحدثات الأمور، والجديد الذي طرحته وتطرحه الحياة، والتجاوز بعد الاستيعاب والنقد لانحرافات التاريخ عن هذا النهج الذي استقر كثوابت في منابع الأسلاف العظام.
فإذا كنّا جادّين حقّا في البحث عن هوية الأمّة وذاتيتها الحضاريّة المتميزة، وإذا كنّا جادّين حقا في تحرير إنساننا المعاصر من القيود التي تشل فعالياته وتعجزه عن مواجهة التحدّيات الفتّاكة المفروضة على حاضره ومستقبله، فعلينا أن نتجاوز (بؤس التاريخ) بعد استيعابه ونقده لنستلهم المنابع النقيّة والغنيّة فنطوّرها ونجدّدها، ثم نجعل منها الإطار الذي نبدع فيه، والفلسفة التي تهتدي بها مؤسساتنا المعاصرة، والمقاصد، والمثل، والغايات التي نناضل من أجل وضعها في الممارسة والتطبيق .. وبهذا المنهج، ولهذه الغاية نبحث عن الشورى في موروثنا الإسلامي) [1] . (1)
إن الشورى ركن مهم من أركان الإسلام، وهو من أساسيات التوجّهات الإسلاميّة في كافّة مجالات الحياة السياسيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة وحتى الفرديّة، ناهيك عن أهمّيتها في نظام الحكم الإسلامي بحيث تعتبر البديل الإسلامي الناجع عن الديموقراطيّة الغربيّة تختزل كل إيجابياتها، وتتنزّه عن كل سلبياتها.
ولقد أراد الإسلام أن يرتفع بالشورى عن مصاف الوضع القانوني الجامد لتصبح سلوكا أخلاقيا حيّا، وعرفا شائعا وفاعلا في المجتمع، يعضّد القانون ويكون سندا شعبيّا له يشارك فيه جميع أفراد الأمّة.
إن نظام الشورى المفعّل، والمطوّر، والمستجيب للمتغيرات المختلفة على الساحة هو صمّام الأمان للحكومة الإسلاميّة يعصمها من الطغيان والاستبداد، ويقود الأمّة إلى دروب السداد والرشاد، ويبعدها عن مهاوي الانحدار والسقوط [2] . (2)
وسوف نتناول في هذا الباب التأصيل الشرعي لمبدأ الشورى من ناحية تطبيقه، ومدى
(1) د. محمد عمارة، الإسلام وحقوق الإنسان - ضرورات لا حقوق، كتاب من سلسلة عالم المعرفة الثقافية الشهرية التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، رقم (89) ، شعبان 1405 - مايو (أيار) 1985 م، ص 31.