الديمقراطيّة وغاياتها من الممارسة والتطبيق.
ولقد غدا الخروج على فلسفة الديمقراطيّة وتطبيقاتها موضع الإدانة، والإنكار، والاستنكار في تلك الحضارة، سواء أكان هذا الخروج في ميدان الفكر، أو في مجال الممارسة والتطبيق ... الأمر الذي جعل الديموقراطيّة قسمة من قسمات الحضارة الغربيّة على اختلاف تياراتها، فأصبحت التيارات عندهم من اشتراكيّة، أو ليبراليّة، أو شيوعيّة يحكمها هذا المبدأ، وتدور في فلكه فكرا وتطبيقا.
أما في حضارتنا العربيّة الإسلاميّة فلقد كاد الإجماع أن ينعقد على أن الشورى الإسلاميّة هي الفلسفة الإسلاميّة للحكم في الدولة الإسلاميّة، وللمجتمع الإسلامي، وللأسرة المسلمة.
وإذا كان الإجماع قد كاد ينعقد على وجوب الأخذ بهذا المبدأ، فإنّه كاد ينعقد على أنّه بمقدار الحظ الوافر والغني لمنابعنا الفكريّة ولأصول مواريثنا الحضاريّة في هذه الشورى، كان الفقر والجدب الذي أصاب تاريخنا وتطبيقاتنا في هذا الميدان، ففي المنابع الفكريّة نجد الشورى هي الفلسفة المقدّسة للحكم والسلوك اجتماعيّا كان، أو أسريّا، بل وحتى فرديّا .. وفي التاريخ نجد الفرديّة والاستبداد يحرمان الواقع التاريخي والإنسان الذي عاشه من ثمرات هذه الفلسفة المقدسة .. لا ويصيبان الفكر الذي عبّر عن هذا الواقع التاريخي بالفقر الشديد إذا ما كان البحث في فلسفة الحكم وضوابط السلطة والسلطان.
صحيح أن الفرديّة والاستبداد قد عرفهما تاريخ الإنسانيّة كلّها، وعلى اختلاف المواطن، والقوميّات، والحضارات، إلا أن ذلك في ظروف أمّتنا العربيّة الإسلاميّة تبرز عوراتهما أكثر، ويغدو شذوذهما أقبح؛ لأن الشورى في تراث الأمّة العربيّة الإسلاميّة فلسفة دينيّة مقدّسة، وليست مجرّد ميراث فكري - كما هو حال الغرب - عن جاهليّة اليونان الوثنيين.
إن لهذه القضيّة أهميّتها لا في نقد الممارسات التاريخيّة فحسب، بل وفي التفكير للحاضر والمستقبل، فإذا كان هذا هو مقام الشورى وطبيعتها في منابعها الفكريّة، فإن هذا المقام يجب أن يعلو أكثر وأكثر في فكرنا المعاصر الذي يجب أن توضع فيه الممارسة والتطبيق لهذا المبدأ، وهنا يكون التطبيق الخلاق للمنهج العلمي في استلهام التراث والإفادة منه في