إن الصعوبة في البحث عن موضوع الشورى وكونه سبيل لانتشال الأمّة مما هي فيه تكمن في عدم التطوير لهذا المبدأ الإسلامي المهم منذ زمن طويل، وقد تولّد عن ذلك ضعف في الاتصال يصل إلى درجة الانعدام بينه وبين الفكر الإسلامي، وهذا ما جعل إعادة الصياغة الملائمة لهذا المبدأ في غاية الصعوبة، كما أن أغلب الباحثين يتّجهون في تناولهم ومقارناتهم لهذا المبدأ بغيره من الأنظمة إلى خلق عمليّة التوفيق بينها وبينه، وكأنّما يقومون بعمليّة دمج بين الشرق والغرب ابتغاء أن يلتقيا، وسنثبت في هذا البحث أنه يستحيل أن يلتقيا لسبب بسيط هو: اختلاف في المصدر، واختلاف في الوسيلة، واختلاف في الغاية.
لقد قرر الشرع الحنيف مبدأ الشورى وجعله من دعائم الحكم والسياسة في الدولة الإسلاميّة، وتقريره هذا يؤدّي إلى رفع مستوى الجماعة، وحملهم على التفكير في المسائل العامّة والاهتمام بها، والنظر إلى مستقبل الأمة نظرة جدّية، والاشتراك في الحكم بطريق غير مباشر، والسيطرة على الحكّام ومراقبتهم.
وقد تركت الشريعة الإسلاميّة تفصيل الشورى، وتحديدها، وتنظيمها للمسلمين لتغدو مبدأ مرنا يتفق مع ظروف كل مجتمع، وتصبح نظاما متطوّرا يتماشى مع مصلحة الأمة في جميع الحقب الزمانية، ولا بد أن نعلم أن الشريعة الإسلاميّة لم تضع نظاما ملزما وواضحا يبيّن كيفيّة الشورى، ويوضّح شكلها ومداها، ويحدّد الذين يتشاورن وغير ذلك من الأمور، بل تركت الشريعة الإسلاميّة هذا الأمر للأمة الإسلاميّة لتشكّله حسب ما ترتأيه في مصلحتها حسب الظروف، وتتبع الطريقة التي تتفق مع أحوالها، وتسير على الكيفيّة التي تحدّد مصالحها، وتكوّن النوع الذي يتناسب مع حياتها الاجتماعيّة.
فمبدأ الشورى إذا مبدأ ثابت ودائم ولا رأي لأحد في الأخذ به من عدمه، ولا تملك الأمّة تغييره بمبدأ آخر؛ لأنه تشريع دائم، ولكن الشكل فيه متغيّر ومتطوّر يعطي الأمّة صلاحيات أن تتخذه بالطريقة التي تلائمها، إلا أن هذه الطريقة لا بد أن تكون منطوية تحت المبادئ الإسلاميّة المتمثّلة في: العدل، والرحمة، واحترام الحقوق الفرديّة، والحريّات العامّة.
إن الأسباب التي أدّت إلى ترك تحديد أمر الشورى على سبيل التفصيل يرجع إلى