للاقتراع بينهم، بل أمرت هذه النصوص الحاكم بالشورى، وألزمت المسلمين أن يصدروا جميع أمورهم بناء على الشورى، أما كيفيتها وتنظيمها فقد أوكل هذا إلى عرف الجماعة ومستواها، وظروفها في العصور المتعاقبة.
لقد اعتبر أهل بدر بعد ذلك رجالًا للحل والعقد ولم يقطع أمر في زمن الخلفاء إلا بمشورتهم وكان هذا انتخابًا طبيعيًا لهم، فالرجال الذين لم يجبنوا في لقاء كبدر لا بد وأن يكونوا أهل ثقة المسلمين جميعًا ومحل احترامهم وتقديرهم بعد أن كانوا محلًا لرضى الله تعالى.
وحقيقة أنه لم يحصل في العصور المتتالية للإسلام انتخاب لمجلس شورى؛ وذلك لأن المستشارين بالفعل لو كان ما وصلوا إليه بالانتخاب ما نجح غيرهم، فعلمهم وسابقتهم في الإسلام، وجهادهم في سبيله أهّلهم بطبيعة الحال إلى تلك المنزلة وهذه المكانة.
ولا ينافي الإسلام أن يكون للحاكم حق في اختيار عدد محدود من الأفراد ليكونوا من رجال الشورى وأهل الحل والعقد فيهم، وسلب هذا الحق منه إذا وجد أن المصلحة في ذلك ليست أيضًا باطلة شرعًا، بل كل ذلك من المصالح المرسلة التي لم يأت الشرع بإلغائها ولا الالتزام بها.
فتفويض الأمّة الكامل لانتخاب مجلس للشورى جائز شرعًا وجعل عدد محدود باختيار الإمام جائز شرعًا، ويقدّر هذه المصالح رأي الأمة وجمهورها، كما أن للظروف والملابسات دخل عظيم في اختيار الأسلوب المناسب لتطبيق هذه الأحكام [1] . (26)
وقبل أن نتطرّق إلى الأساليب التي يمكن أن نتخذها في اختيار أهل الحل والعقد لا بد أن نعلم بأن ديننا الحنيف عندما أوجب الأخذ بمبدأ الشورى لم يصر على طريقة معيّنة للاختيار؛ وقد كان الداعي إلى ذلك هو ترك الحريّة للمجتمع لاتخاذ ما يراه من طرق لتعيين من يمثّله وفق ما يتناسب مع واقعه.
وإذا أردنا أن نتعرّف على الطرق والأساليب المختلفة لاختيار أهل الحل والعقد، فإننا نجدها متمثّلة في أربعة أساليب نتناولها كالتالي:
1.اختيار أهل الشورى عن طريق الانتخاب: فلا بد أن يشترك جميع أفراد الشعب
(1) بو طالب - عبد الهادي، الديمقراطية والشورى، مرجع سبق ذكره، ص 23.