في الصراع السياسي ضد الإسلام، وبسبب شيوع الديكتاتوريّة والاستبداد في الواقع الإسلامي أصبحت قضيّة الديموقراطيّة تشغل بال الكثير من مفكّري الإسلام، وقد أصبحوا بعد ذلك بين رافض لهذه الفلسفة وأن الغنى عنها بنظام الشورى الإسلاميّة، وبين قائل بأن جوهر الديموقراطيّة لا يختلف عن جوهر الشورى في الإسلام.
وقد حاول هذا الفريق الذي طابق بين نظام الشورى الإسلاميّة وبين الديموقراطيّة أن يحاول التوفيق بين النظامين، واعتبار الديموقراطيّة إسلاميّة، أو اعتبار الغرب قد سبق إليها، وقد وصل الأمر بالبعض أن استخدم هذه الكلمة استخداما إسلاميّا [1] ، (2) وكأن نظام الشورى في الإسلام لا يغني عن النظر لمثل هذه الأنظمة التي أفرزتها الحضارة الغربيّة، وهذا التذبذب لدى المفكّرين الإسلاميّين إن دل فإنّما يدل على ضعف البناء المنهجي للإسلام بشكل عام، ولنظام الشورى كنظام شرعي متكامل بشكل خاص.
وسوف نستعرض في فصل من هذا الباب نظام الديموقراطيّة وأصولها التاريخية وتطوّرها، ثم ننطلق بعد ذلك بنظرة واقعيّة لهذا النظام على أرض الواقع لنرى مدى النجاح في تطبيق هذه التجربة، وهل هي مطبّقة عند الغرب ومفعّلة كما هي في الواقع النظري؟، كما أن هناك نقطة هامّة سنتناولها في هذا الفصل سنتحدّث فيها عن أوجه الاختلاف والاتفاق بين الديموقراطيّة الغربيّة، وبين الشورى الإسلاميّة، وسننهي المطاف مع قضيّة التجانس الغائب بين الشورى والديموقراطيّة في مبحث أخير من هذا الفصل نستعرض فيه الآراء المؤيّدة لهذا الفكر، و الآراء الرافضة له، ومغزى هذا التناول هو كما قلنا في السطور السابقة هو أن الفكر الإسلامي فكر منفتح ينظر إلى جميع ما يحيط به ويتدارسه ويأخذ منه، إلا أنّه هذا الانفتاح ترعاه وتضبطه الأصول والمبادئ العامّة في الشريعة الإسلاميّة، وهذا المنهج هو المنهج الصحيح للانفتاح الإيجابي على أفكار الآخرين.
(1) الندوي - أبو الحسن علي الحسني، الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية، الطبعة الأولى، 1385 - 1965، دار الندوة للتوزيع، لبنان، ص 5.