الديموقراطيّة، وهذا إن دل فإنما يدل على أن الإدارة الأمريكيّة لا تبحث عن الإصلاح، بل تبحث عن مصلحتها المادّية بصفة الداعية إلى الفكر الرأسمالي المنحرف الذي لا يجعل أي حرمة للفكر الإنساني.
ومما أثاره الأمريكيّون من تحفّظات حيال مشروعهم هذا هو العمل على مقايضة الأنظمة مقابل السكوت عنها بتغييرات تشريعيّة، وثقافيّة، واجتماعيّة، ودينيّة تخدم الولايات المتّحدة في سعيها لهذا التغيير في الأمّة؛ وذلك من أجل إضعاف الهويّة الإسلاميّة والعربيّة.
وقد سايرت بعض هذه الأنظمة ما نص عليه النظام الأمريكي وتحمّست لذلك على نحو يؤجج مزيدا من الكره للنظام الأمريكي التي تفرض عليها هذه المتغيرات مقابل تجاهل التغييرات الإيجابيّة المطلوبة من تلك الشعوب [1] . (6)
ولا يوجد أي تعقيب على هذين الرأيين، فما تسعى له الولايات المتّحدة من خطوات لا يمد بأي شكل من الأشكال المصلحة الإسلاميّة، ومن هنا لا بد أن نؤكد بأنّنا نحن الذين سمحنا لمثل هؤلاء أن يفرضوا الوصاية علينا، ويسمحوا لأنفسهم بأن يملوا علينا هذه المشاريع التي لا تنعكس على واقعهم قبل ذلك، ومن هنا نحب أن نؤكّد بأن من يسيطر على الإدارة الأمريكيّة اليوم ما هم إلا شرذمة من المتطرّفين، ولا حاجة في ذلك إلى دليل حتى لأبسط الناس، و لا شك أن هذا الواقع الذي نعاني من أزمته ما هو إلا لابتعادنا عن نظم ديننا، وعلى رأس هذه النظم نظام الشورى الإسلامي، والذي بسبب عدم انعكاسه على واقع المسلمين يعانون من هذه الويلات والأزمات.
وفي الحقيقة ومن واقع ما أراه فإن ما نعيشه من واقع أليم ذاقت فيه الشعوب الإسلاميّة ويلات التخلّف والرجعيّة ما هو إلا نتيجة حتميّة للبعد الشاسع الذي نشأ بين المنهج ومن يدّعي الانتساب إليه، وإذا كان التخلّف انعكاسا لابتعادنا عن منهجنا الإسلامي، فإن أبرز ما ابتعدنا عنه هو فلسفة النظام الإسلامي المتمثّل في الشورى الإسلاميّة، وقد تكبّدت الأمّة الأزمات والمحن بسبب عدم فهمها، وتفعيلها، وتطويرها لهذا المفهوم على الرغم من نتائجه الإيجابيّة لمن يتصفّح الواقع الذي عاشه الصحابة الكرام في العهد النبوي الشريف، وفي العهد الراشدي.