بِالأَْصْل، وَهُوَ أَنَّ الاِنْتِفَاعَ الْمُبَاحَ لاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ. وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُضْطَرِّ ثَمَنُ الطَّعَامِ لِيَشْتَرِيَهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ كَمَا عَلَّل بِذَلِكَ الدَّرْدِيرُ (1) .
37 -أَمَّا الاِنْتِفَاعُ بِالْمَغْصُوبِ وَالْوَدِيعَةِ فَمُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، إِلاَّ مَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ عَدَمِ ضَمَانِ لُبْسِ الثَّوْبِ لِدَفْعِ الْعُفُونَةِ وَرُكُوبِ مَا لاَ يَنْقَادُ لِلسَّقْيِ. (2)
كَذَلِكَ تُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الدَّارِ بِالتَّفْوِيتِ وَالْفَوَاتِ، بِأَنْ سَكَنَ الدَّارَ وَرَكِبَ الدَّابَّةَ، أَوْ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَا تَدُل عَلَيْهِ نُصُوصُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: لَوْ غَصَبَ الْعَيْنَ لاِسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، لاَ لِتَمَلُّكِ الذَّاتِ، فَتَلِفَتِ الْعَيْنُ الْمُنْتَفَعُ بِهَا فَلاَ يَضْمَنُهَا الْمُتَعَدِّي. فَمَنْ سَكَنَ دَارًا غَاصِبًا لِلسُّكْنَى، فَانْهَدَمَتْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلاَ يَضْمَنُ إِلاَّ قِيمَةَ السُّكْنَى. (3)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنَافِعَ الأَْعْيَانِ الْمَنْقُولَةِ الْمَغْصُوبَةِ لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ. فَإِذَا غَصَبَ دَابَّةً فَأَمْسَكَهَا أَيَّامًا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا، ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى يَدِ مَالِكِهَا لاَ يَضْمَنُ، لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ عَنِ الْمَنَافِعِ، لأَِنَّهَا أَعْرَاضٌ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا. فَالْمَنْفَعَةُ الْحَادِثَةُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَلَمْ يُوجَدْ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهَا. (4)
لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مَال وَقْفٍ أَوْ مَال صَغِيرٍ أَوْ
(1) بلغة السالك 2 / 185.
(2) القليوبي 3 / 32، 185، وجواهر الإكليل 2 / 140، 149، والمغني 5 / 376، و7 / 280، وابن عابدين 5 / 116.
(3) القليوبي 3 / 33، وجواهر الإكليل 2 / 151، والمغني 5 / 415.
(4) البدائع 7 / 145.