القول الثالث: إن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده من طريق اللفظ والمعنى، وإليه ذهب الأشعرية، وهذا بنوه على أصلهم بأن الأمر لا صيغة له. [1] وإن قوله (افعل) لا يدل على الأمر إلا بقرينة لأن صيغة افعل لها معانٍ كثيرة فقد يراد بها التهديد أو الدعاء أو الالتماس فلا يمكن حمل الأمر على هذه المعاني إلا بقرينة. [2]
رأي الإمام سليم الرازي:
يرى الإمام أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداد المأمور به، وأنه نهي عن ضده من طريق المعنى. قال: وهو قول أكثر الفقهاء. [3] وهو بهذا يوافق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أصحاب الرأي الأول.
الرأي الراجح:
يبدو لي أن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء الذين وافقهم سليم الرازي، فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده من حيث المعنى. وهذا ما يتناسب مع القواعد الشرعية والعقلية من جلوس ونوم وغيره ولا يحصل الامتثال إلا بهذا.
ثمرة الخلاف:
للخلاف المتقدم فوائد منها:
أولًا: مسألة استحقاق العقاب في الآخرة حكمه بترك المأمور به فقط إذا قيل بأنه ليس نهيًا عن ضده، ويكون العقاب به إذا تركه وفعل ضده إذا قيل بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. [4]
ثانيًا: ومنها أن القيام بالصلاة مأمور به فإذا قعد المصلي ثم قام لم تفسد صلاته بالقعود نفسه لأنه لم يفت به المأمور (وهو القيام) لكنه يكره القعود لأنه يستلزم تأخير الواجب، وهذا على من قال الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، أما الجمهور
(1) ينظر: العدة: 1/ 247.
(2) ينظر: التبصرة: 24.
(3) ينظر: البحرالمحيط: 2/ 418، 421.
(4) ينظر: إرشاد الفحول: 2/ 350.