وقال بعضهم الأمر المطلق لا يحمل على التكرار إلا إذا كان معلقًا بشرط أو صفة. [1] وهذا ما سنبحثه في هذا المطلب.
والقائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار يسلمون بأنه يقتضيه إذا كان معلقًا بشرط أو وقت أو صفة [2] ، قال الإمام الأسنوي: الأمر المعلق بشرط أو صفة يقتضي التكرار المأمور به عند تكرار شرطه أو صفته إن قلنا الأمر المطلق يقتضيه. [3]
وأما القائلون بأنه لا يقتضيه فقد اختلفوا هنا، فبعضهم ألحقه بالأمر المطلق في عدم اقتضائه للتكرار إلا بدليل خارجي، وبعضهم جعله مقتضيًا للتكرار عند تكرار علته، وبعضهم قال: إنه لا يقتضي التكرار من جهة اللفظ وإنما يقتضيه من جهة القياس. وسأورد أهم الأقوال في هذه المسألة:
القول الأول: إنه لا يقتضي التكرار سواء كان معلقًا بشرط أو مخصوصًا بوصف وهو ما رجحه بعض علماء الحنفية، ومنهم من جعله المذهب عندهم. [4] وبه قال القاضي عبد الوهاب وابن الحاجب من المالكية، والشيرازي والآمدي من الشافعية. [5]
فأصحاب هذا الرأي يرون أن العموم والتكرار لا يستفادان من الأمر سواءً كان مطلقًا كقوله (ادخل الدار) أو معلقًا بشرط أو وصف مثل (إن دخلت السوق فاشتر اللحم) لا يقتضي الشراء إلا مرة واحدة، وإنما يستفاد العموم والتكرار من دليل خارجي [6] ومثلوا له بتجدد السبب، ففي قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ
(1) ينظر: أقوال العلماء وأدلتهم في ميزان الأصول: 1/ 203 وما بعدها؛ شرح تنقيح الفصول: 60 وما بعدها؛ البحر المحيط: 2/ 385 وما بعدها؛ العدة في أصول الفقه: 1/ 40 - 44 وغيرها من مصادر الأصول.
(2) ينظر: نفائس الأصول من المحصول: 2/ 176؛ المحصول في أصول الفقه: 1/ 243.
(3) ينظر: نهاية السول: 2/ 283.
(4) ينظر: أصول السرخسي: 1/ 22؛ وقال البزدوي: وقال عامة مشايخنا: لا توجبه ولا تحتمله بكل حال، كشف الأسرار عن أصول البزدوي: 1/ 122، ولا يمكن التسليم بأن هذا رأي عامة الحنفية حيث قال ابن عبد الشكور:"صيغة الأمر المعلق بشرط أو صفة: قبل التكرار مطلقًا وقيل ليس مطلقًا"ثم قال: فإن كان علة فهل يتكرر بتكرارها، والحق نعم، وقيل لا؛ فواتح الرحموت: 1/ 286.
(5) ينظر: شرح تنقيح الفصول: ص60؛ شرح اللمع: 1/ 288؛ مختصر ابن الحاجب: 2/ 87؛ الإحكام للآمدي: 2/ 384.
(6) ينظر: شرح التلويح: 1/ 301.