رابعًا: أسماء الحقائق لا يجوز نفيها عن مسمياتها، وقد عُلمَ أنه يحسن أن ينفى عن الندب اسم الأمر، فيجوز أن يقول القائل أنا غير مأمور بصلاة الضحى أو بصيام الاثنين والخميس، ولا يعد قائل هذا الكلام كاذبًا، على عكس من قال أنا غير مأمور بصيام رمضان أو بأداء الصلوات الخمس، فلما كان الواجب حقيقة في الأمر لم يصح نفيه عكس المندوب. [1]
وأجيب بأنه لا يصح النفي على الإطلاق بل له أن يقول: أنا غير مأمور بصلاة الضحى وصيام الاثنين والخميس أمر إيجاب. [2]
رأي الإمام سليم الرازي:
وافق سليم الرازي أصحاب القول الأول فيما ذهبوا إليه وهو أن المندوب مأمور به حقيقة، وصور المسألة بأن المندوب إذا دلَّ الأمر عليه لا يمكن حمله على المجاز لأن الأمر حمل على بعض ما يتناوله حقيقة عنه حال لفظ العموم إذا خصَّ فإنه يكون حقيقة فيما يتناوله. [3]
ويلاحظ هنا أن الإمام سليم جعل ما يتناوله الأمر (وهو المندوب) مأمورًا به حقيقة وقاس هذه المسألة على مسألة العموم إذا خصَّ بإنه يبقى حقيقة فيما يتناوله.
الرأي الراجح:
يبدو أن الرأي الراجح في المسألة هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول الذين جعلوا المندوب مأمورًا به حقيقة وفرقوا بينه وبين الواجب، فالمندوب لا يذم تاركه ولا يطلب على وجه الحتم والإلزام، كما هو الحال في الواجب، وهم بهذا التفريق يتفقون مع أصحاب الرأي الثاني. [4]
ثمرة الخلاف:
فائدة الخلاف في المسألة المتقدمة أنه إذا ورد أمر شرعي وقام الدليل على أنه لم يرد به الوجوب جاز الاستدلال به على الاستحباب عند من قال أن الأمر حقيقة في الندب، ومن جعله مجازًا ذهب إلى المنع من الاستدلال بظاهره على الاستحباب. [5]
(1) ينظر: أصول السرخسي: 1/ 14 - 15؛ العدة: 1/ 175.
(2) ينظر: التمهيد في أصول الفقه: 1/ 178.
(3) ينظر: البحر المحيط: 1/ 286.
(4) حتى جعل الإمام الجويني الخلاف لفظيًا في هذه المسألة، ينظر: البرهان: 1/ 178.
(5) ينظر: شرح مختصر الروضة: 3/ 377؛ التمهيد في أصول الفقه: 1/ 175؛ البحر المحيط: 1/ 287 - 289.