وقد أجيب عليه بأن هذا غير مسلم به لأن الأمر بالفعل لا يدل على حسنه، ولا النهي عنه يدل على قبحه وإنما يدل على حسن الفعل أن يؤمر بمدح فاعله، ويدل على قبحه أن يؤمر بذم فاعله.
وأجيب أيضًا: بأنه لو سلم ما قالوه فإنه يشترط لحسن الفعل أن لا ينهي عنه وكذلك قبح الفعل يشرط أن لا يؤمر به. [1]
واستدلوا أيضًا بأن البارئ لا يجوز عليه البداء، وإذا قلنا: إنه نسخ الحكم قبل وقت الفعل جوزنا عليه البداء لأنه بمنزلة أن يقول: افعل، لا تفعل.
وقد أجيب عليه بأنه لا يمتنع أن يعلم البارئ المصلحة في أن يأمر بالفعل حين الأمر به ويعلم المصلحة في النهي عن الفعل حيث نهي عنه، ولو استدام الأمر به لكان في ذلك مفسدة للمكلف.
وأما القول إنه بمنزلة (افعل، لا تفعل) فإنه غير صحيح لأنه لا يتخلل ذلك زمن يصح فيه العزم على الفعل فلا فائدة فيه، وإذا نسخ الفعل قبل وقت العبادة فقد تخللها وقت يصح فيه العزم على الفعل. [2]
رأي الإمام سليم الرازي:
يبدو أن الإمام سليم الرازي يوافق أصحاب القول الأول فيما ذهبوا إليه ويظهر ذلك من كلامه حيث قال: لا خلاف بين العلماء في جوازه [3] -أي النسخ قبل الفعل-.
القول الراجح:
يظهر أن القول الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول لأنه من الجائز عقلًا أن يكون الناسخ بعد الفعل إن يكون ناسخًا قبله [4] ، وقد وقع النسخ قبل الفعل كما في قصة سيدنا إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام.
(1) إحكام الفصول: ص341.
(2) المصدر السابق: ص342.
(3) البحر المحيط: 4/ 87.
(4) شرح مختصر الروضة: 1/ 292.