القول الثاني: ذهب أصحاب هذا القول إلى الاحتجاج باستصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل الخلاف، وبه قال بعض الأصوليين منهم المزني [1] والصيرفي وابن سريج [2] والآمدي من الشافعية وابن الحاجب من المالكية وأبو داود الظاهري [3] . [4]
واستدلوا على ذلك بعدة أدلة:
أولًا: بقوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [5]
وجه الدلالة: إن ما ثبت بالإجماع لا يجوز نقضه، وقد نوقش هذا من قبل أصحاب القول الأول بأن الآية لا تدل على ما تقولون لأن الآية تمنع من نقض ما هو ثابت وما أجمعوا عليه هنا غير ثابت في موضع الخلاف فما نقضنا شيئًا.
ثانيًا: احتجوا بأن استصحاب حكم العقل واجب حتى يقوم الدليل على الوجوب، وكذلك الحال في استصحاب الإجماع، وقد نوقش: إن العقل في براءة الذمم في حال الخلاف وليس كذلك الإجماع فإنه زائد فلم يجز الاحتجاج به.
ثالثًا: احتجوا بأن من تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة أو تيقن النكاح وشك في الطلاق ونحو هذا فإن اليقين لا يزول بالشك
(1) هو: إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل من أئمة الشافعية: كان زاهدًا ورعًا عالمًا مجتهدًا مناظرًا روى عن الشافعية مذهبه الجديد في مصر، وله عدة مصنفات، منها (المختصر) توفي سنة (264هـ) شذرات الذهب: 2/ 184؛ وفيات الأعيان: 1/ 217.
(2) هو: أحمد بن عمرو بن سريج أبو العباس، إمام من أئمة المسلمين وعلم من أعلام الشافعية، قال الشيرازي: كان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني، توفي ببغداد سنة 306هـ. طبقات الشيرازي: ص89؛ طبقات السبكي: 3/ 21.
(3) هو: أبو سليمان داود بن علي بن داود بن خلف الأصفهاني، وهو أول من استعمل قول الظاهر وأخذ بالكتاب والسنة وألقى ما سوى ذلك من الرأي والقياس، وكان فاضلًا صادقًا ورعًا، توفي (سنة 270هـ) ، له من الكتب: كتاب الإيضاح، وكتاب الإفصاح وغيرها. الفهرست: ص262.
(4) ينظر: مختصر المنتهى ومعه بيان المختصر: 2/ 796؛ الإحكام للآمدي: البحر المحيط: 6/ 22؛ شرح اللمع: ص2987؛ الإبهاج: 3/ 169؛ قواطع الأدلة: 2/ 35؛ مذكرة أصول الفقه للشنقيطي: ص160؛ العدة: 2/ 277، ونقله أبو يعلى عن بعض الحنابلة.
(5) النحل: من الآية 92.