وقد أجاب من يرى قبول خبر المبتدع عن هذا بقولهم: إنما رددنا من فسق بأفعال الجوارح، لأنه يفعل وهو يعلم أنه فسق ومعصية ومن أقدم على ذلك لم يؤمن أن يقدم على الكذب، فأثَّر ذلك في قوة الظن بصدقه بخلاف المعتقد فإنه قد اشتبه عليه وهو يظن أنه على الحق وله تحرج في أفعاله فقوى الظن بصدقه [1] ?.
القول الثاني: يقبل خبر المبتدع مطلقًا سواءً دعا إلى بدعته أو لا. وبه قال الإمام الشافعي والثوري [2] ?، وأبو يوسف [3] ? ومن وافقهم [4] ?. قالوا: لأنه لا يكذب في الحديث وإن كان مبتدعًا في تأويله. [5] ?
القول الثالث: ذهب أصحاب هذا القول إلى التفصيل بأن المبتدع الداعي إلى بدعته وغير داعٍ لها [6] ?، فإن كان داعيًا إلى بدعته لم يقبل، والا فيقبل، وبه قال: أكثر الحنفية [7] ?, وهو المروي عن الإمام مالك [8] ?، وبه قال بعض الشافعية [9] ?، وكثير من الحنابلة [10] ?، وأهل الحديث [11] ?.
(1) ? المصدر نفسه.
(2) ? الثوري: هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، أمير المؤمنين في الحديث، أجمع العلماء على إمامته، توفي بالبصرة سنة (191هـ) . طبقات الشيرازي: ص65؛ مرآة الجنان: 1/ 345.
(3) ? أبو يوسف: هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد، كان حافظًا للحديث ثم لازم أبا حنيفة فغلب عليه الرأي، ولي القضاء ببغداد ولم يزل بها إلى أن مات سنة (182هـ) في خلافة الرشيد، من مؤلفاته: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة وغيرها. الفهرست: ص 344.
(4) ? ينظر: إرشاد الفحول: 1/ 260 - 261؛ والبحر المحيط: 4/ 270؛ المحلى على جمع الجوامع: 2/ 223، وقال ابن أمير الحاج: وهذا قول الشافعي - رضي الله عنه - وأكثر الفقهاء لعظم الكفر، فضعف العذر ويوفي عدم الوثوق، شرح الكوكب: 2/ 406.
(5) ? البحر المحيط: 4/ 270؛ المحلى على جمع الجوامع: 2/ 223.
(6) ? قال الباجي مبينًا معنى الداعي إلى بدعته الخلاف في الداعية بمعنى أنه يظهرها، ويحقق عليها فأما الداعي بمعنى محل الناس عليها فلم يختلف في ترك حديثه؛ البحر المحيط:4/ 272.
(7) ? ينظر شرح التلويح: 2/ 20، وقد نقل قول الجمهور على هذا.
(8) ? ينظر: شرح البنود 2/ 370، ورواه عنه المحلى في شرحه على جمع الجوامع: 2/ 223، وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن الإمام مالك، البحر المحيط: 4/ 271.
(9) ? ينظر البحر المحيط: 4/ 271؛ اللمع: ص42؛ غابة الوصول: ص99.
(10) ? ينظر: التمهيد: 2/ 112 - 113، 121؛ العدة: 2/ 120؛ شرح الكوكب: 2/ 402؛ المسودة: ص262 - 264.
(11) ? مثل ابن الصلاح: حيث نسبه للأكثرين وقال (وهو أعدل المذاهب وأولاها، وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في الشواهد والأصول) علوم الحديث: ص103 - 104، لابن الصلاح، لأبي عمرو عثمان بن
عبد الرحمن الشهرزوري، ت (643هـ) ، تحقيق نور الدين عنتر، الناشر: المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، معرفة علوم الحديث: ص53؛ البحر المحيط: 4/ 271؛ إرشاد الفحول: 1/ 262.