80 -فإن قيل: يحتمل أن يكون قد اقترن باللفظ قرينة دلت على إرادة الله الفعل.
والجواب أن البارىء -سبحانه وتعالى! - علق الوعيد والعذاب على مجرد
مخالفته للأمر من غير اعتبار قرينة، لأنه قال:"إذ أمرتك" (1) ؛ فذكر مجرد الأمر من
غير قرينة، ولأن الله - تعالى! - حكى في موضع اخر مجرد صيغة الأمر من غير قرينة
فقال:"وإذ قلنا للّملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس" (2) ، فذكر صيغة مجرد
الأمر وعفق على مخالفتها التوبيخ والعقاب ولم يتعرض لذكر قرينة. فلو كانت لا
تقتضي إيجاب (3) الفعل لما توخه على إبليس توبيخ ولا عذاب، وكان له في ذلك
عذر لأن اللفظ يحتمل الفعل ويحتمل الترك. فثبت بهذا أن الصيغة بنفسها مقتضية
للفعل.
ويدل عليه قوله - تعالى!:"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم"
فتنة" (4) ، الآية . فمن أمره كناية يحتمل أن تكون راجعة إلى 1 لله -تعالى! -"
وتحتمل أن تكون راجعة إلى رسول الله -ءلمجمر! - لأنه قد تقدم ذكرهما، فحذر الله
-سبحانه! - عن مخالفة أمره أو أمر رسوله --لمجه!؛ فلو لم تكن له صيغة تدل على
الفعل لما حذر عن مخالفته بمجرده. ولأن أهل اللسان وأرباب اللغة ذكروا أقسام
الكلام فقالوا: أربعة أقسام: أمر ونهي وخبر واستخبار. فالأمر [ه 2 و] قولك:"إفعل"
والنهي قولك:"لا تفعل"والخبر قولك:"زيد في الدار"والاستخبار قولك:"أزيد في"
الدار؟". فجعلوا قوله:"إفعل"من [الصيغ] المجردة من غير اعتبار قرينة، وهم"
الواسطة بيننا وبين العرب في معرفة أقسام كلامهم وأحكامهم. واذا أخبروا عنهم
بشيء وجب علينا قبوله والعمل به كما قبلنا منهم ذلك في أسماء الأعيان كالتمر والخبز
والدار والفرس وغير ذلك، وأسماء الأحداث كالضرب والشتم والقتل وغير ذلك، فإنا
(1) انظر البيان 2 من الفقرة 79.
(2) جزء من الآية 34 من سورة البقرة (2) .
(3) في الأصل: ايجاد.
(4) جزء من الآية 63 من سورة النور (24) .
(5) بعد الآية: ولفدتدالها، وقد اسقطناها من الأصل.