لا يجوز الخلاف في حكم من الأحكام المقطوع بها في الإسلام، والمقطوع به هو المجمع عليه إجماعًا لا شبهة فيه، والمعلوم من الدين بالضرورة كالإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن القرآن الذي كتبه الصحابة ويقرؤه المسلمون جميعًا إلى يومنا هذا هو كتاب الله لم ينقص منه شيء، والصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، ووجوب الزكاة والحج، وحرمة الربا والزنا، والخمر، والفواحش، ونحو ذلك من المعلوم من الدين بالضرورة أنه من الإسلام، وكل ذلك لا يجوز فيه خلاف بين الأمة ورد هذا ومثله كفر.
3)الخلاف جائز في الأمور الاجتهادية:
الأحكام الاجتهادية الخلافية التي وقع التنازع فيه بين الأمة في عصور الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا يجوز فيها الاختلاف، ولا يجوز الحكم على من اتبع قولًا منها بكفر ولا فسق ولا بدعة.
ولمن بلغ درجة النظر والاجتهاد أن يختار منها ما يراه الحق، ولمن عرف الأدلة وأصول الفقه أن يرجح بين الأقوال، ولا بأس بالتصويب والتخطيء، وبالقول إن هذا راجح، وهذا مرجوح، وذلك كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج، وقراءة الفاتحة وراء الإمام في الجهرية، والجهر والإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم، وإتمام الصلاة في السفر.
4)وقوع الاختلاف وكونه رحمة وسعة أحيانًا.
الخلاف في الأمور الاجتهادية الظنية واقع من الصحابة والتابعين والأئمة وجميع علماء وفضلاء هذه الأمة، وذلك أنه من لوازم غير المعصوم، ولا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما من بعده فلا عصمة لأحد منهم، والخطأ واقع منهم لا محالة.
وهذا الخلاف الجائز، أو السائغ، قد نص كثير من سلف الأمة أن فيه أنواعًا من الرحمة لهذه الأمة:
أ) الرحمة في عدم المؤاخذة:
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا البقرة: 286 وقد ثبت في صحيح البخاري رحمه الله أن الله قال بعد أن أنزل هذه الآية، وتلاها الصحابة: قد فعلت» والمجتهد المخطئ معذور، بل مأجور أجرًا واحدًا كما جاء في الصحيحين: إذا حكم الحاكم ثم اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فله أجر واحد» متفق عليه.
ب) الرحمة والسعة في جواز أخذ القول الاجتهادي كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة المجتهدين:
قال ابن قدامة رحمه الله في مقدمة كتابه المغني: (أما بعد ... فإن الله برحمته وطوله جعل سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام وأوضح بهم مشكلات الأحكام: اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة) .
وقال الإمام الحجة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم: (لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرًا منه قد عمل عمله) جامع بيان العلم وفضله 80/ 4
وذكر ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله: (أن عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد اجتمعا فجعلا يتذكران الحديث فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفًا فيه القاسم، وجعل ذلك يشقُّ على القاسم حتى تبين فيه فقال له عمر: لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم) جامع بيان العلم وفضله 80/ 2
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أن رجلًا صنف كتابًا في الاختلاف فقال أحمد: لا تُسمِّه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة) . الفتاوى 79/ 30
5)يجب اتباع ما ترجح لدينا أنه الحق:
ما تنازع فيه الصحابة وأئمة الإسلام بعدهم، وعلم بعد ذلك أن النص بخلافه فإنه يجب علينا فيه اتبع ما تبين أنه موافق للدليل، وعدم اتهام السابقين بكفر أو فسق أو بدعة وذلك: كترك الجنب الذي لا يجد ماء للصلاة حتى يجد الماء، وصرف الدينار بالدينارين، ونكاح المتعة، ومنع التمتع في الحج، وجواز القدر غير المسكر من خمر العنب، ومثل هذه المسائل كثير.
6)أسباب الخلاف التي يعذر فيها:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)