فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 39642 من 67893

مع التقدم الكبير في وسائل الاتصال تظهر كثير من الطرق التي لم تكن معهودة في ما مضى من إمكان محادثة الرجال والنساء بعضهم بعضًا، ولم تزل هذه الطرق بمرور الأيام تتطور وتنتقل من طور إلى طور متقدم في تلك الإمكانيات، حتى وصلت إلى ما يُعرف بـ (الشات) و (غرف الدردشة) عن طريق الإنترنت الذي تغري تكلفته الزهيدة بالانسياق في هذا الأمر.

والإسلام يحرص حرصًا شديدًا على نقاء المجتمع وسلامته من كل أسباب الشرور ومظاهرها، وخاصة في جانب الأعراض؛ فما من سبيل يضمن ذلك إلا وقد سلكه وأمر بسلوكه، وما من سبيل يعارض ذلك إلا وقد نهى عنه، وحذر منه، فنهى عن الخلوة بين الرجل والمرأة وإن كانا قريبين ـ ما لم يكونا من المحارم ـ ومنع المرأة أن تسافر من غير محرم، أو أن تسافر مع غير محرم، وأمر المرأة بارتداء الحجاب، ومنع من الاختلاط بين الجنسين، ونهى المرأة عن الخضوع بالقول (1) ، كما جعل على مخالفة ذلك عقوبات زاجرة، تزجر من تسوِّل له نفسه تجاوز ما شرعه الله تعالى.

وقد يكون في استخدام (الشات) سواء كان كتابة باليد أو تكلمًا بالصوت بين أفراد الجنس الواحد أي بين رجل يخاطب رجلًا، أو امرأة تخاطب امرأة، نوع من التعارف الذي قد تترتب عليه بعض المصالح، وهذا في دائرة المباح؛ وإن كان هناك احتمال عدم صدق البيانات؛ فقد يكتب بعض الناس بيانات مخالفة لبياناته الحقيقية، وخاصة في خانة الجنس ليوقع الجنس الآخر في مخاطبته.

وأما مخاطبة الرجل للمرأة، أو المرأة للرجل تكلمًا أو كتابة من أجل التعارف بينهما، فالذي يظهر من توجيهات الشرع التي مرت أن هذا لا يجوز، ولو كان كلامًا بريئًا خاليًا مما يخدش الحياء أو نحو ذلك؛ فلم تجرِ بذلك عادة بين المسلمين من قديم الزمن، وإنما كان الحديث الذي يمكن أن يحدث بينهما للحاجة وليس للتعارف؛ على أن يكون ذلك وفق ضوابطه كما قال ـ تعالى ـ: {وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] .

ولم يظهر شيء من ذلك بين المسلمين إلا بفعل تقليد الأمم الغربية، وهذا النوع من المخاطبة فيه ـ عندي ـ بعض معاني الخلوة الممنوعة، وإن لم يكن خلوة كاملة؛ حيث يجلس الرجل والمرأة كلاهما إلى جهاز الحاسب، فيكتبان ما يشاءان من غير أن يدري أحد غيرهما بما هو مكتوب؛ فهذا وإن لم يكن خلوة جسدية فهو خلوة معنوية، فإذا اختلى الرجل بالمرأة أو المرأة بالرجل على (الشات) ؛ فإذا قُدِّر أن أحدًا من أوليائهما اطَّلع على ذلك فإنهما يشعران بقريب من الحرج الذي يحدث لهما عندما تكون الخلوة جسدية، مما يدل على أن هذه الخلوة فيها من معاني الخلوة الجسدية، وهذه الخلوة المعنوية قد تورث تعلُّق القلوب بعضها ببعض، وربما تقود مع مرور الوقت وتكررها إلى الخلوة الجسدية.

أما المخاطبة من أجل تحقيق مصلحة دنيوية كأن تخاطب امرأةٌ طبيبًا مثلًا، أو يخاطب رجل طبيبة للسؤال والاستفسار عما فيه مصلحة من ذلك، فهذا لا حرج فيه، ولكن ينبغي أن يكون الكلام من أجل ذلك الغرض حقًا، وأن لا يسترسل أحد المتخاطبين في كلام خارج عن المطلوب، حتى لو لم يكن فيه كلمات غير مناسبة.

وأما المخاطبة من أجل تحقيق مصلحة دينية كالاستفسار مثلًا عن تفسير آية أو حديث أو السؤال عن حكم فقهي فهو جائز أيضًا، إذا كان المسؤول ممن يقدر على ذلك، وينبغي أيضًا الانتباه إلى عدم الاسترسال في الكلام الخارج عن موضوع السؤال حتى لو لم يكن فيه شيء؛ والشيطان هنا قد يضحك على كل منهما فيمنيهما بأنهما صالحان طيبان وأنه لا خوف عليهما من الاسترسال في الكلام؛ فهما ليسا بمنزلة الأشرار؛ وهذا من مخادعة الشيطان لهما. فليحذر المتخاطبون من هذا المنزلق الذي قد يجر إلى ما لا تحمد عقباه!

لكن الرجل الصالح والمرأة الصالحة إذا استزلهما الشيطان في لحظة الضعف البشري التي قلما ينجو منها أحد، فجعلهما يسترسلان في الحديث فيما لا تدعو إليه الحاجة ـ وإن لم يكن محرمًا ـ يدركان سريعًا بفضل الله خطأهما، وأنهما قد استرسلا أكثر مما ينبغي فيما لا تدعو إليه حاجة، فيستغفران الله ويتوبان إليه، والله غفور رحيم.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت