فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 38933 من 67893

ـ [محمد عامر ياسين] ــــــــ [29 - 05 - 07, 12:19 ص] ـ

نقول من كتاب (العبودية) لشيخ الإسلام ابن تيميه، المكتب الإسلامي

الشيخ محمد الحمد

1 -وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته، ودفع ضرورته - قويت عبوديته له، وحريته مما سواه؛ فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه. ص59

2 -فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن؛ فإن من استُعبد بدنُه، واسْتُرقَّ، وأسر - لا يبالي إذا كان قلبه مستريحًا من ذلك، مطمئنًا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص.

وأما إذا كان القلب الذي هو ملك البدن رقيقًا، مستعبدًا، مُتيمًا لغير الله - فهذا هو الذل، والأسر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب. ص96

3 -فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس) رواه الشيخان.

وهذا - لعمر الله - إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورةٌ محرمة: امرأة، أو صبي - فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب. ص97

4 -وهؤلاء عشاق الصور من أعظم الناس عذابًا، وأقلهم ثوابًا؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقًا بها، مستعبدًا لها - اجتمع له من أنواع الشر و الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى؛ فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررًا عليه ممن يفعل ذنبًا ثم يتوب، ويزول أثره من قلبه.

وهؤلاء يشبهون بالسكارى، والمجانين كما قيل:

سُكرانِ: سُكْرُ هوىً وسكر مدامةٍ ومتى إفاقة من به سُكران

وقيل:

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم: العشق أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون في حين ص98

5 -ومن أعظم أسباب هذا البلاء - يعني العشق - إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله، والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك، ولا ألذ، ولا أمتع، ولا أطيب.

والإنسان لا يترك محبوبًا إلا بمحبوب آخر يكون أحبَّ إليه منه، أو خوفًا من مكروه؛ فالحب الفاسد إنما ينصرف عن القلب بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر.

قال الله - تعالى - في حق يوسف: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف 24]

فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور، والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله.

ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله، والإخلاص له بحيث تغلبه نفسه على اتباع هواها؛ فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي في قلبه انقهر بلا علاج. ص99

6 -قال - تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت 45]

فإن الصلاة فيها دفع مكروه، وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل محبوب، وهو ذكر الله.

وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه؛ فإن ذكر الله عبادة، وعبادة القلب مقصودة لذاتها، وأما اندفاع الشر فهو مقصود لغيره على سبيل التبع. ص99 - 100

7 -فجعل - سبحانه - غض البصر، وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوالَ جميع الشرور من الفواحش، والظلم، والشرك، والكذب، وغير ذلك. ص100 - 101

8 -فكلما ازداد القلب حبًا له ازداد عبودية له، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًا، وفضلَّه على من سواه. 9 - فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا ينعم، ولا يسر، ولا يلتذ، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه.

ولو حصل له كلُّ ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن، ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث هو معبوده، ومحبوبه، ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح، والسرور، واللذة، والمتعة، والسكون، والطمأنينة.

وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له؛ فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله؛ فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه، ويطلبه، ويشتهيه، ويريده، ولم يحصل له عبادة ربه - فلن يحصل إلا على الألم، والحسرة، والعذاب، ولن يَخْلُصَ من آلام الدنيا، ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب له؛ بحيث يكون الله غاية مراده، ونهاية مقصوده. ص138

10 -وبذلك يصرف الله عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء كما قال - تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف 24] فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته ما يمنعه من محبة غيره؛ إذ ليس عند القلب السليم أحلى، ولا ألذُّ، ولا أطيب، ولا أسر، ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، وإخلاص الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيبًا إلى الله، خائفًا منه، راغبًا، راهبًا. ص139 - 140

11 -وإذا كان العبد مخلصًا له اجتباه ربه، فأحيا قلبه، واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف ضد ذلك.

بخلاف القلب الذي لم يخلص لله؛ فإنه فيه طلبًا، وإرادة، وحبًا مطلقًا، فيهوى كلَّ ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه، كالغصن أي نسيم مرَّ به عطفه، وأماله، فتارة تجتذبه الصور المحرمة، وغير المحرمة، فيبقى أسيرًا عبدًا لمن لو اتخذه هو عبدًا له لكان ذلك عيبًا ونقصًا وذمًا.

وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق.

وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوبَ، والقلوبُ تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع بغير هدى من الله.

ومن لم يكن خالصًا لله، عبدا ًله، قد صار قلبه مُعَبَّدًا لربه وحده، لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلًا له خاضعًا، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وصار فيه من السوء و الفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه. ص140 - 142

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت