ومن الطبيعي أن يكون أهل الحديث أميل للشافعي، وأكثر انبهارًا به لأنه واحد منهم، ومعبر عنهم أحسن تعبير، ذلك أنه توسع في الاستدلال بالحديث أكثر مما فعل مالك وأبو حنيفة، وحدَّ من الرأي والقياس وضيق سلطتهما، ولذلك كان من أنصاره أحمد بن حنبل، واسحق بن راهويه، وغيرهما من كبار المحدثين، كما أنه كان أقرب إلى نفوس الحنفية من المحدثين وفقهائهم، لأنه لم ينكر القياس جملة، بل قال به، وقعد له القواعد حتى لقد عدل بعض فقهاء العراق عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهبه، ولعل هذا التقريب بين مدرستي الحجاز والعراق وانتخابه أحسن ما فيهما، هو أوضح ظاهرة في مدرسة الشافعي، قال الرازي: >إن الناس كانوا قبل الشافعي فريقان: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي، أما أصحاب الحديث فكانوا عاجزين عن المناظرة والمجادلة، عاجزين عن تزييف طريق أصحاب الرأي، فما كان يحصل بسببهم قوة في الدين، ونصرة للكتاب والسنة• وأما أصحاب الرأي فكان سعيهم وجهدهم مصروفًا إلى تقرير ما استنبطوه برأيهم ورتبوه بفكرهم ••• (فجاء الشافعي) وكان عارفًا بالنصوص والقرآن والأخبار، وكان عارفًا بأصول الفقه وشرائط الاستدلال ••• وكان قويًا في المناظرة والجدل••• فرجع عن قول أصحاب الرأي أكثر أنصارهم وأتباعهم< (4) •
وعلى ما نظن يعد الشافعي أكثر صاحب جهد تقريبي بين المذاهب الفقهية في الأصول والفروع معًا، فكونه أول من وضع علم الأصول، وأن عمله كان ناضجًا، جعل الناس من بعده حتى اليوم عيالًا عليه في ذلك، وكل من بحث في الفقه عن أصحاب المذاهب بعده جروا على ما قعده وأصله، وإن اختلفوا فيما بعد في تفصيل هذا العلم حين تطور بين شافعية متأثرين بطريقة المتكلمين، ومن خصائصها تجريد صور المسائل الأصولية عن الفقه والميل إلى الاستدلال العقلي ما أمكن، وطريقة الحنفية، وهي متأثرة بالفروع، وتتجه لخدمتها وإثبات سلامة الاجتهاد فيها• وتمتاز هذه الطريقة بأخذ القواعد الأصولية من الفروع والأحكام أي أنها استقرائية•
وهذا التطور عند الشافعية في دراسة علم أصول الفقه•• في رأينا، أبعد عن منهج الشافعي نفسه الذي هو أميل إلى الحديث، وجعل هذا العلم أقرب إلى علم الكلام الذي هو أميل إلى العقل والمنطق•
5 -ومثلما كان محمد بن الحسن حلقة اتصال بين فقهاء الحديث وفقهاء الرأي، كان حلقة اتصال بين مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، أما أبو يوسف فقد أخذ عنه أحمد، وإذا كان رحم العلم هو الذي جمع بين محمد بن الحسن والشافعي حتى جعل الأول سببًا في إنقاذ حياة الثاني بكلمة قالها في مجلس الخليفة، فإن السياسة قطَّعت بين الشافعي وأبي يوسف مالم يصله العلم• وبرغم ذلك فإن تأثير الشافعي ومالك في مذهب أبي حنيفة كان كبيرًا، حتى إن تلاميذ أبي حنيفة أنفسهم ضيقوا كثيرا من الرأي والقياس، وعدلوا عن كثير مما كان عليه المذهب على عهد أبي حنيفة، وذلك بعد أن أخذوا عن الشافعي ومالك كثيرًا من الحديث، ولئن كان مذهب أبي حنيفة قد أثر تأثيرًا غير منكور في المذاهب الأخرى من ناحية الرأي والقياس، فإن تأثير مدرسة الحديث في مذهب أبي حنيفة أقوى وأكثر• وساعد على هذا ما شنع به أهل الحديث على فقهآء الرأي، وبذلك التقريب ضاقت مساحة الخلاف التي كان يراها الدارس بين أبي حنيفة ومالك والشافعي، وعن ذلك يقول أحمد أمين• (5)
>نرى أن الفروق بين المدارس المختلفة قلت، فلم تعد بين تلاميذ أبي حنيفة والشافعي ومالك فروق كالتي كانت بين مالك وأبي حنيفة أنفسهما، حتى ليظن الظان لأول وهلة أن منحى التشريع عند الجميع واحد، ولم يكن ذلك صحيحا عند تأسيس هذه المدارس، وإنما أظهره بهذا المظهر شيء واحد هو >غلبة رجال الحديثغلبة< فلم يكن صراعا مدرسيا، ولكنه كان تأثيرا طبيعيا بين أساتذة وتلاميذ على أسس علمية محددة، فاتباع الآثار لا محيد عنه، ولا بديل من رأي أو اجتهاد، كما أن جمهور المسلمين يميلون بعواطفهم الدينية إلى نصرة السنة ورجالها، فلا عجب أن تضيق دائره الرأي والقياس، وأن تتسع دائرة الحديث، وينشط المحدثون في ميدان الفقه•
وقد دل العقل على مشروعية هذا التقريب بين المذاهب لأن الشريعة الإسلامية تدعو إلى الجماعة ونبذ الفرقة ووحدة المسلمين• والشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وفيها العلاج لكل مشكلات الحياة ووقائعها، والأصل أن تكون رحمة وعدلا ومصلحة للناس، لافرقة وعذابًا لهم، ولابد من الاستفادة من تراثنا العلمي الفقهي في الوصول إلى الأمثل في الأحكام والقوانين التي تنظم حياة الناس• وإذا كان الله تعالى لم يتعبدنا باتباع مذهب معين من المذاهب الفقهية، فمن الأفضل أن نستفيد منها جميعًا•
هوامش
(1) جامع بيان العلم وفضله (24/ 2)
(2) يقصد أبو يوسف الحديث الذي يأخذ به أهل الحجاز، وقد رواه ابن عمر عن رسول الله [قال: >إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث