فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 39199 من 82138

فإذا عرفنا ذلك، فإن الاجتهاد حق لأهله المستكملين لشروطه، وليس حِكرًا على مجتهد دون آخر، والناس في ذلك منقسمون إلى طرفين ووسط: فـ (الطرف الأول) مَن يرى الاجتهاد واجبًا في حق كل أحد، والتقليدَ حرامًا على العبد المجلوب من بلده، والعامي، والعذراء المخدّرة، والراعي في شعف الجبال، كما هو حرام على العالم المتبحر ولا فرق [2] ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=34#_ftn2) . أما (الطرف الآخَر) فيرى التقليد واجبًا على كل أحد ولو لاح الدليل بخلاف قول المقلَّد، وأن باب الاجتهاد قد أُغلِق بعد القرون المفضَّلة. و (الفريق الوسط) في هذه القضية يرى أن المكلفين ثلاثة أصناف:

الأول: الفقيه المجتهد، وهذا يجب عليه الأخذ بما أداه إليه اجتهاده متبعًا للأدلة.

الثاني: العامي الصرف، ويجب عليه تقليد عالِم يثق بعلمه، ويحرم عليه النظر في الأدلة والاستنباط.

الثالث: من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، لكنه يفهم الدليل، ويصلح فهمه للترجيح .. (فلا يخلو: إما أن يعتبر ترجيحه ونظره، أو لا. فإن اعتبرناه صار مثل المجتهد في ذلك الوجه، وإن لم نعتبره فلا بد من رجوعه إلى درجة العامي) [3] ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=34#_ftn3) .

وغير خافٍ على عاقل ما للأخذ بقول الطرف الأول -الموجِب للاجتهاد على كل أحد- من جناية على الدين؛ إذ تصور هذا القول كافٍ لإبطاله، فبلازم ذلك تصبح الشريعة كلأً مباحًا لا حرمة له ولا هيبة، ويهدر دور العلماء في الأمة، ويطالَب الناس بتعطيل مصالحها والتفرغ للوصول لرتبة الاجتهاد.

وأما الطرف الآخر فقد تجاوز الدليلَ الشرعيَ الصحيحَ الصريحَ عنده تعصبًا لقول إمام، وفي هذا سوء أدب مع القرآن العظيم والسُّنة المطهرة، لا سيما إذا علم أن الإمام المقلَّد لم يبلغه الحديث أو لم يصح عنده .. وقد أُثِر عن الأئمة أَنفُسِهم قولهم: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) .

وفي الجهة المقابلة نبتت نابتة لا تنظر في أقوال الأئمة، ولا تلقي لها بالًا، وتعُدُّ المذاهب الفقهية فِرَق ضلالة؛ فخرقوا الإجماع في مسائل، وأتوا بعجائب الأقوال التي نبَّه عليها العلماء الأوائل، والتي تعاقب المسلمون على ترك العمل بها قرونًا طويلة .. ومن أين لهؤلاء -هدانا الله وإياهم- أن يفقهوا غريب آي القرآن وأحاديث رسول الله e إلا بالرجوع لكلام أئمة الإسلام الناصحين من سلف هذه الأمة. وقد ثبت عن سعيد بن أبي عروبة رحمه الله تعالى أنه قال: من لم يسمع الاختلاف فلا تعُدُّوه عالمًا.

فالمذاهب الأربعة -مثلًا- مدارس لتنمية الملكات الفقهية، فإذا تأهل الدارس للاجتهاد بعد دراسة أحدها، والتفقهِ في نصوص الوحيين، وأخْذِ ما يحتاج إليه من علومٍ مصاحِبَةٍ، كان فقيهًا مجتهدًا.

ويبقى التنبيه على أنه ينبغي أن يُعذَر المخالِف في مسائل الفروع الاجتهادية، وأن لا يعنَّف أو يبدَّع لذلك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( .. وإن رجح بعض الناس بعضها [يعني: بعض الاجتهادات] ولو كان أحدهما أفضل؛ لم يجز أن يظلم من يختار المفضول ولا يذم ولا يعاب بإجماع المسلمين، بل المجتهد المخطئ لا يجوز ذمه بإجماع المسلمين، ولا يجوز التفرق بذلك بين الأمة) . بل لا يجوز أن ينكر عليه، كما قال الإمام الموفق ابن قدامة: (لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه؛ فإنه لا إنكار على المجتهدات) [4] ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=34#_ftn4) .. أما إذا ثبت الإجماع أو لاح الدليل، ولم يكن فيه مجال للاجتهاد أو التأويل، فالنقول عن السلف دالة على الإنكار على المخالف عندئذ، كالمبيح لنكاح المتعة مثلًا. قال ابن مفلح في"الآداب الشرعية": (وذكر الشيخ محيي الدين النووي أن المختلَف فيه لا إنكار فيه. قال: لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق) .

للاستزادة:

انظر"رفع الملام"لشيخ الإسلام، و"جامع بيان العلم وفضله"للحافظ ابن عبد البر،، و"أدب الخلاف"للشيخ ابن حميد، و"الخلاف بين العلماء"للشيخ العثيمين، و"موقف الأمة من اختلاف الأئمة"للشيخ عطية محمد سالم.

(2) انظر الاعتصام للشاطبي.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت