ـ [فاضل بن خلف الحمادة الرقي] ــــــــ [04 - 04 - 07, 04:21 ص] ـ
بذل الأكف
في
أحكام الد ف
فاضل بن خلف الحمادة الرَّقي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
اللهم لك الحمد على سترك الجميل، ولك الشكر على برك الجزيل، ونعترف لك بقبائح الذنوب، ونبوء بما نقترف من فضائح العيوب، ونخضع لعز كبريائك بالذل والصغار، ونطمع في عطائك بالعجز والافتقار، ونمد إليك أيدي احتياجنا، ونسألك تسوية اعوجاجنا، ونرفع إليك أكف الضراعة والابتهال رغبًا للتوفيق في الطاعة وإصلاح الحال، فالمهدي من هديته برحمتك، والضال من أضللته بحكمتك والقلوب بيدك تقلبها كيف شئت وإليك المصير.
رب وأدم صلاتك وسلامك على الرحمة العامة والنعمة التامة، ألطف من أمر ونهى، وأخوف من نهي فانتهى، وأشرف أولي النهى، سيد الخلق أجمعين محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه كلمات يسيرة نبتت في مجتمع جعل اللهو طاعة والطرب ذكرًا، يزفن به رجال لبسوا مسوح أهل العلم والطاعة، والذكر والعبادة، مدعين أن الرحمات تتنزل!!
فصار فعلهم هديًا ملتزمًا، وسنة متبعة، فعفيت بذلك السنن، والله المستعان.
ولما وقعت على قول سويد وشريح رحمهما الله تعالى: أن الملائكة لا يدخلون بيتًا فيه دف، وأن أصحاب ابن مسعود كانوا يستقبلون الجواري في الأزقة معهن الدفوف فيشقونها ( [1] ) ، علمت أن فعلهم هذا بدعة منكرة وسنة شيطانية.
ومما زادني يقينًا في ذلك ما ذكره المقدسي في البدء والتاريخ (3/ 57) : عن الحسن قال: عشر خصال عملها قوم لوط بها أهلكوا كانوا يأتون الرجال ويلعبون بالحمام ويضربون بالدفوف أ. هـ
أيذكر الله عز وجل على مزمور الشيطان؟
أم خلقنا للهو والطرب لنتقرب به إلى خالقنا عز وجل؟
من هنا كانت البداية، فجمعت الأحاديث الواردة في هذا المقام ورتبتها ضمن مجموعات تبعا ً لموضوعاتها، وأتبعتها بأقوال أهل العلم صحة وضعفًا، ومن ثم ما يستفاد منها فقهًا وفائدة على ضوء أصول وقواعد أهل العلم المعتمدة.
وإلى الله أمد أكف الضراعة والابتهال أن لا يجعله حجة علي يوم قيام الساعة وظهور الأهوال، فإن بضاعتي من العلم مزجاة، واعترافي بالعجز والتقصير عذري يوم يقوم الأشهاد، فإن كان ما خط اليراع صوابًا فالله الموفق، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان، واستغفر الله وأتوب إليه من الخطأ والزلل، فهو حسبي ونعم الوكيل.
أولًا: وقفة أصولية:
الدف: آلة معروفة، وهو من آلات الطرب واللهو ويعرف أيضًا بالغربال، (ولا ريب أن العرب كان لهم غناء يتغنون به، وكان لهم دفوف يضربون بها، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل ليس فيها جلاجل) ( [2] ) .
الدف أصل أم استثناء؟!
ومعنى هذا الاستفهام بعبارة أوضح:
هل الدف من الأشياء المباحة فهو باق على الإباحة استصحابًا للأصل أم أنه من الأشياء المحرمة المعازف فأبيح استثناءً من النص؟
وبيان ذلك أنه جاء النص الشرعي بالتحريم الصريح للمعازف، فعن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري-والله ما كذبني- سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة) ( [3] ) .
وقد قدح في صحة هذا الحديث بعض الأئمة وتصدى لتضعيفهم الحفاظ المحققون كابن القيم وابن حجر رحمهما الله تعالى.
وخلاصة بحث الأئمة أن الحديث صحيح متصل:
ـ فمن أعله بالانقطاع بين البخاري وهشام بن عمار: لم يصب إذ أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، ثم إن البخاري علقه بصيغة الجزم.
وقد تقرر عند الحفاظ من أئمة هذا الشأن أن ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم يكون صحيحًا إلى من علقه عنه ولو لم يكن من شيوخه ( [4] )
ـ ومن أعله بالتردد في اسم الصحابي: فـ (إن التردد في اسم الصحابي لا يضر كما تقرر في علوم الحديث فلا التفات إلى من أعل الحديث بسبب التردد) ( [5] ) .
ثم إن الحديث قد ورد من طرق صحيحة عند ابن حبان والبيهقي وغيرهما، كلها عن هشام بن عمار ( [6] )
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)