فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 40439 من 82138

ـ [عبدالله المزروع] ــــــــ [12 - 07 - 07, 08:58 م] ـ

خلاف الفقهاء في مسألة الرجوع عن الإقرار

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

فهذا جزء في الكلام عن مسألة الرجوع عن الإقرار، وهي من المسائل التي وقع فيها الخلاف قديمًا وحديثًا، ودرئت بها كثيرٌ من الحدود، ولم أجد - حسب اطلاعي [1] - من حرَّرَ أقوال العلماء في هذه المسألة، وخرَّج الأحاديث الواردة في الباب مما دفعني إلى جَمْعِ هذا الجزء، واللهَ أسأل أن يوفقني فيه إلى الصواب.

الرجوع عن الإقرار فيه عِدَّةُ مسائل:

المسألة الأولى: الرجوع عن الإقرار في الحدود.

المسألة الثانية: الرجوع عن الإقرار في التعازير.

المسألة الثالثة: الرجوع عن الإقرار في حقوق الآدميين.

فأما المسألة الأولى وهي: الرجوع عن الإقرار في الحدود.

صورة المسألة: إذا أقرَّ إنسان بالتهمة الموجهة إليه بعد أن قبض عليه إما تلبسًا بها تامة أو غير تامة، دون أن يثبت ذلك ببينةٍ (الشهود) ، أو يأتي تائبًا يريد التطهير. [2]

فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:

القول الأول: أن رجوع المُقِرِّ عن إقراره غير مقبولٍ في الحدود مطلقًا، ويقام عليه الحدُّ بناءً على إقراره الأول، وهذا هو المروي عن ابن أبي ليلى [3] ، وسعيد بن جبير [4] ، والحسن البصري [5] ، وهو قولٌ للإمام أحمد [6] ،

واختار هذا القول: داود بن علي [7] ، وابن حزمٍ [8] ، وشيخ الإسلام ابن تيمية [9] ، وتلميذه ابن القيم [10] ، وسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز [11] ، والعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين [12] - رحمهم الله -.

أدلتهم:

الدليل الأول: أنَّه وردَ في حديث ماعزٍ - رضي الله عنه - في الصحيحين وغيرهما أنه هرب عندما رُجِمَ ومع ذلك تَبِعَهُ الصحابة - رضوان الله عليهم - ورجموه حتى مات؛ فلم يُنْكِر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - [13] .

يرد عليه:

أنه قد ورد في بعض الروايات: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للصحابة:"هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه" [14] .

يجاب عن إيرادهم:

1 -بأنَّ هذه الزيادة: لا تصح، وسيأتي تفصيل ذلك في الملحق الخاص بطرق هذه الزيادة والحكم عليها.

2 -على التسليم بصحة هذه الزيادة: فإنَّ هروب ماعزٍ - رضي الله عنه - لا يدلُّ على رجوعه عن إقراره؛ بل قد يكون رجع عن طلبه إقامة الحد ويكتفي بتوبته، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه"ولم يقل: هلا تركتموه يرجع عن إقراره.

3 -أنَّ قولكم: (يتوب) دليلٌ على أنه ارتكب ما أقرَّ به؛ لأن التوبة لا تكون إلا من ذنب - وهو هنا: الزنا - فلا نترك إقامة حدٍّ لاحتمالات قد تثبت أو لا تثبت، و"إقامة حدٍّ من حدود الله خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله" [15] .

4 -أنه جاء في بعض روايات الحديث ما يوضح المعنى من فوله"هلا تركتموه ..."ففي حديث جابر قال في آخره:"فهلا تركتموه، وجئتموني به"ليستثبتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه؛ فأما لترك الحدِّ فلا [16] .

وهذا فهمُ صحابيٍ ممن حضر الحادثة، وفهمه مقدمٌ على فَهْمِ غيره!

5 -أنه لو قُبِلَ رجوعه للزم قاتله من الصحابة ديته، كونه قُتِلَ بغيرِ حقٍّ، أو لوداه النبي - صلى الله عليه وسلم - من عند نفسه.

يرد على الجواب الأخير: أنه إنما لم يجب دية ماعز على الذين قتلوه بعد هربه لأمور منها: أن هربه ليس صريحًا في رجوعه عن إقراره، أو أنَّ هذا الحكم لم ينزل بَعْدُ.

يجاب عنه: بأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن يترك دمه يضيع هَدْرًَا؛ فلو كان الصحابة معذورين لوداه النبي - صلى الله عليه وسلم - من عنده؛ كما في حديث القسامة.

الدليل الثاني: أنَّ الله - سبحانه وتعالى - قال في كتابه:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم" [النساء: 135] فإذا شَهِدَ على نفسه بالزنا فقد صدق عليه وصف الزاني، وقد قال تعالى:"الزانية والزاني فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدة" [النور: 2] فكيف نرفع هذا الحكم الذي أمرَ اللهُ به معلقًا على وصفٍ ثبتَ بإقرار من اتصف به؟! فإذا ثبت الوصف ثبت الحدُّ.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت