ومنه ما رواه محمد بن علي بن الحسين، قال: قال الصادق (عليه السلام) :"إن نسيت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلة وضوئك، فإن لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شئ فخذ ما بقي منه في لحيتك، وامسح به رأسك ورجليك. وإن لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك وأشفار عينيك، وامسح به رأسك ورجليك، وإن لم يبق من بلة وضوئك شئ أعدت الوضوء" (1) . وأما أهل السنة، فقد اختلفوا في المسألة على ستة آراء: الأول: المسح بماء جديد غير مستعمل. وهو قول الشافعي [أ] ومن تابعه [ب] ومالك [ج] وفي رواية عن أحمد [د] (2) . وقد استند هؤلاء إلى ما أخرجه مسلم وغيره عن عبد الله بن زيد أنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسح برأسه بماء غير فضل يده (3) . أقول: وفي الاستدلال بالخبر نظر من وجوه: أولا: أن فعل النبي (صلى الله عليه وآله) - لو سلمنا بصحته - أعم من الوجوب. وثانيا: عدم صراحة قوله: (بماء غير فضل يده) في تجديد الماء، لاحتمال أن يكون المراد أنه أخذ البلل من لحيته أو من ذراعه. وثالثا: خلو الأخبار البيانية للوضوء المروية حتى عن هذا الراوي وغيره من الصحابة، وغيرها من الأخبار كخبر:"لا يتم صلاة أحدكم"، وخبر:"لا يقبل الله صلاة أحدكم"عن التعرض لتجديد الماء للمسح، مع تعرض بعضها لتجديده لغير المسح، وعلمنا في الخارج بلزوم أخذ الماء للغسل، لعدم إجزاء البلل له، بخلاف المسح، دليل على عدم وجوب تجديد الماء.
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 36/ 33، وسائل الشيعة 1: 409، ب 21، ح 5. (2) [أ] الام (الشافعي) 1: 26. [ب] الفتاوى الهندية 1: 5. [ج] ، [د] المغني (لابن قدامة) 1: 147، الشرح الكبير 1: 169. (3) صحيح مسلم 1: 129/ 19، سنن الترمذي 1: 50/ 35.
ورابعا: وجود الاضطراب في خبر عبد الله بن زيد نفسه، وإليك ما قاله شارح (سنن الترمذي) حول الخبر: (عن عبد الله بن زيد: أن النبي(صلى الله عليه وآله) توضأ، وأنه مسح رأسه بما غبر (1) فضل يده). وفي بعض النسخ: (بماء غبر) ، كذا في النسخة المطبوعة الموجودة عندنا وفي نسخة خطية عتيقة صحيحة: (من فضل يديه) بزيادة لفظة من، وهو الظاهر. والظاهر عندي: أن (من) بيانية، والمعنى: أنه لم يمسح رأسه بماء جديد، بل مسح بما بقي على يديه، أي ببقية من ماء يديه. وأما على النسخة المطبوعة، فالظاهر أن (فضل يديه) - بالجر - بدل (ما غبر) ، ويجوز أن يكون بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي وهو فضل يديه. هذا كل ما عندي) (2) . فيكون مجموع النسخ في الخبر أربعا: 1 - النسخة الخطية القديمة الصحيحة: مسح رأسه بما غبر من فضل يديه. 2 - النسخة التي شرحها كما رأيتها: مسح رأسه بما غبر فضل يده. 3 - النسخة المطبوعة الموجودة عنده: مسح رأسه بماء غبر فضل يده. 4 - النسخة المطبوعة المتداولة الآن: مسح رأسه بماء غير فضل يديه. فبناء على النسخ الثلاث الاول أنه مسح بما بقي في يده من نداوة الوضوء. ويؤيده الأصل السالم عن المعارض في بعضها، والأخبار الآتية في المسح ببلل الوضوء. وأما بناء على النسخة الحالية الموجودة عندنا فهو أنه مسح رأسه بماء جديد. إذا تدبر القارئ في هذا علم بأن التصحيف موجود في الخبر، وهو كاف للتوقف عن الاستدلال به، مضافا إلى الشك في تحريفه، لأن التحريف والتبديل
(1) غبر - بالغين المعجمة والباء الموحدة المفتوحتين - بقي، وما: موصولة. (2) تحفة الأحوذي 1: 141.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)