(وإذا اختلف المتقاسمون) في القسمة (فشهد القاسمان، قبلت شهادتهما) قال في الهداية: الذي ذكره قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا تقبل، وهو قول أبي يوسف أولا، وبه قال الشافعي، وذكر الخصاف قول محمد مع قولهما، وقاسم القاضي وغيره سواء، وقال جمال الإسلام: الصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى البرهاني والنسفي، وغيرهما، تصحيح.
(فإن ادعى أحدهما) أي المتقاسمين (الغلط) في القسمة (وزعم أن مما أصابه شيئا في يد صاحبه، وقد) كان (أشهد على نفسه بالاستيفاء، لم يصدق على ذلك) الذي يدعيه (إلا ببينة) ، لأنه يدعى فسخ القسمة بعد وقوعها، فلا يصدق إلا بحجة، فإن لم تقم له بينة استحلف الشركاء، فمن نكل منهم جمع بين نصيب الناكل والمدعي، فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما، لأن النكول حجة في حقه خاصة، فيعاملان على زعمهما؛ وينبغي أن لا تقبل دعواه أصلا؛ لتناقضه، وإليه أشار من بعد، هداية، ومثله في كافي النسفي، وظاهر كلامهما أنه لم يوجد فيه رواية، لكن قال صدر الشريعة بعد نقله البحث المذكور: وفي المبسوط وفتاوى قاضيخان ما يؤيد هذا. ثم قال: وجه رواية المتن أنه اعتمد على فعل القاسم في إقراره باستيفاء حقه، ثم لما تأمل حق التأمل ظهر الخطأ في فعله، فلا يؤاخذ بذلك الإقرار عند ظهور الحق، اهـ.
وقول الهداية"وإليه أشار من بعد"أي: أشار القدوري إلى ما بحثه من أنه ينبغي أن لا تقبل دعواه أصلا في الفرع الآتي بعد هذا حيث قال:"وإن قال أصابني إلى موضع كذا فلم تسلمه لي، ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء، وكذبه شريكه تحالفا وفسخت القسمة"فإن مفهومه أنه لو شهد على نفسه بالاستيفاء قبل الدعوى لا يتحالفان، وما ذاك إلا لعدم صحة الدعوى؛ لأن التحالف مبنىٌ على صحة الدعوى، ولذا قال في الحواشي السعدية - بعد نقل ما ذكره صدر الشريعة المار - ما نصه: وفيه بحث، فإن مثل هذا الإقرار إن كان مانعًا من صحة الدعوى لا تسمع البينة، لابتناء سماعها على صحة الدعوى، وإن لم يكن مانعًا ينبغي أن يتحالفا، اهـ.
قال شيخنا رحمه اللّه تعالى: وقد يجاب بأن قولهم هنا"قد أقر بالاستيفاء"صريح، وقولهم بعد:"قبل إقراره"مفهوم، والمصرح به أن الصريح مقدم على المفهوم، فيتأمل. اهـ. وأمره بالتأمل مشعر بنظره فيه، وهو كذلك كما لا يخفى على نبيه.
وإذا أمعنت النظر في كلامهم، وتحققت في دقيق مرامهم - علمت أن ليس في هذا الفرع منافاة لما بعده، والتقييد فيه بكونه قبل الإقرار قيد لوجوب التحالف وحده، لا لصحة الدعوى، فإنها تصح سواء كانت قبل الإقرار أو بعده.
والمعنى: إنه إن سبق منه إقرار بالاستيفاء لا يتحالفان وإن صحت الدعوى، وذلك لأن صحة الدعوى شرط لوجوب التحالف، وليس التحالف بشرط لصحة الدعوى كما هو مصرح به في باب التحالف.
ومن أراد استيفاء المرام في هذا المقام، فعليه برسالتنا فقد أشبعنا فيها الكلام.
(وإذا قال: استوفيت حقي، ثم قال: أخذت بعضه، فالقول قول خصمه مع يمينه) ؛ لأنه يدعي عليه الغصب، وهو منكر.
(وإن قال: أصابني) في القسمة (إلى موضع كذا، فلم تسلمه إلي، ولم يشهد) قبل ذلك (على نفسه بالاستيفاء وكذبه شريكه) في دعواه (تحالفا وفسخت القسمة) ، لاختلافهما في نفس القسمة، فإنهما قد اختلفا في قدر ما حصل بالقسمة، فأشبه الاختلاف في قدر المبيع، فوجب التحالف، كذا في شرح الإسبيجاني، قيد بكونه لم يشهد على نفسه بالاستيفاء لأنه لو سبق منه ذلك لا يتحالفان، وإن صحت الدعوى، بل ببينته أو يمين خصمه.
فإن قلت: إذا كانت الدعوى صحيحة، سواء كانت قبل الإشهاد أو بعده، فما وجه وجوب التحالف إذا كانت الدعوى قبل الإشهاد، وعدمه إذا كانت بعده؟.
قلت: لأن وجوب التحالف في القسمة إنما يكون إذا ادعى الغلط على وجه لا يكون مدعيا الغصب، كما في الذخيرة وغيرها، وإذا كانت الدعوى بعد الإشهاد بالاستيفاء يكون مدعيا الغصب ضمنًا، كأنه يقول: الذي أصابني إلى موضع كذا وأنت غاصب لبعضه، ولذا ساغت منه الدعوى بعد الإشهاد؛ لأن دعوى الغصب لا تناقض الإقرار بالاستيفاء.
(وإذا استحق بعض نصيب أحدهما بعينه، لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة، ورجع بحصة ذلك) المستحق (من نصيب شريكه) لأنه أمكن جبر حقه بالمثل، فلا يصار إلى الفسخ (وقال أبو يوسف: تفسخ القسمة) ؛ لأنه تبين أن لهما شريكا ثالثًا، ولو كان كذلك لم تصح القسمة. قال في الهداية وشرح الزاهدي: ذكر المصنف الاختلاف في استحقاق بعضٍ بعينه، وهكذا ذكر في الأسرار، والصحيح أن الاختلاف في استحقاق بعض شائع من نصيب أحدهما. فأما في استحقاق بعض معين لا تفسخ القسمة بالإجماع، ولو استحق بعض شائع في الكل تفسخ بالاتفاق، فهذه ثلاثة أوجه، ولم يذكر قول محمد، وذكره أبو سليمان مع أبي يوسف، وأبو حفص مع أبي حنيفة، وهو الأصح، وهكذا ذكره الإسبيجاني، قال: والصحيح قولهما، وعليه مشى الإمام المحبوبي، والنسفي، وغيرهما، كذا في التصحيح.