فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 428

(فإذا وصل) الكتاب (إلى القاضي لم يقبله إلا بحضرة الخصم) ؛ لأنه بمنزلة أداء الشهادة، فلابد من حضوره (فإذا سلمه الشهود إليه) أي إلى القاضي بحضرة الخصم (نظر) القاضي (إلى ختمه) أولا ليتعرفه (فإن شهدوا أنه كتاب فلان القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه، وقرأه علينا، وختمه بختمه؛ فضه القاضي، وقرأه على الخصم، وألزمه ما فيه) قال في الهداية: وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إذا شهدوا أنه كتابه وخاتمه قبله على ما مر، ولم يشترط في الكتاب ظهور العدالة للفتح، والصحيح أنه يفض الكتاب بعد ثبوت العدالة، كذا ذكره الخصاف، لأنه ربما يحتاج إلى زيادة الشهود، وإنما يمكنهم من أداء الشهادة بعد قفيام الختم، وإنما يقبله المكتوب إليه إذا كان الكاتب على القضاء، حتى لو عزل، أو مات، أو لم يبق أهلا للقضاء قبل وصول الكتاب - لا يقبله، لأنه التحق بواحد من الرعايا، وكذا لو مات المكتوب إليه، إلا إذا كتب"لى فلان بن فلان قاضي بلد كذا، وإلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين"، لأن غيره صار تبعًا له، وهو معرف، بخلاف ما إذا كتب ابتداء"إلى كل من يصل إليه"على ما عليه مشايخنا، لأنه غير معرف، ولو كان مات الخصم ينفذ الكتاب على وارثه لقيامه مقامه، اهـ.

(ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص) ؛ لأن فيه شبهة البدلية عن الشهادة، فصار كالشهادة، ولأن مبناها على الإسقاط، وفي قبوله سعي في إثباتها.

(وليس للقاضي أن يستخلف) نائبًا عنه (على القضاء) ، لأنه قلد القضاء دون التقليد، فصار كتوكيل الوكيل، ولو قضى الثاني بمحضر من الأول أو قضى الثاني فأجاز الأول، جاز كما في الوكالة، لأنه حضره رأي الأول، وهو الشرط (إلا أن يفوض ذلك إليه) صريحًا، كول من شئت، أو دلالة، كجعلتك قاضي القضاة، والدلالة هنا أقوى من الصريح، لأنه في الصريح المذكور يملك الاستخلاف، لا العزل، وفي الدلالة يملكهما، فإن قاضي القضاة هو الذي يتصرف فيهم مطلقًا، تقليدًا وعزلا.

(وإذا رفع إلى القاضي حكم حاكم) مولى ولو بعد عزله أو موته إذا كان بعد دعوى صحيحة (أمضاه) أي: ألزم الحكم والعمل بمقتضاه، سواء وافق رأيه أو خالفه إذا كان مجتهدًا فيه؛ لأن القضاء متى لاقى محلا مجتهدًا فيه ينفذ ولا يرده غيره؛ لأن الاجتهاد الثاني كالاجتهاد الأول لتساويهما في الظن، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به، فلا ينقض بما هو دونه. ولو قضى في المجتهد فيه مخالفًا لرأيه، ناسيا لمذهبه، نفذ عند أبي حنيفة، وإن كان عامدًا فعنه روايتان، وعندهما لا ينفذ في الوجهين؛ لأنه قضى بما هو خطأ عنده، وعليه الفتوى كما في الهداية، والوقاية، والمجمع، والملتقي، قيدنا بالمولى لأن حكم المحكم لا يرفع الخلاف كما يأتي، وبكونه بعد دعوى صحيحة - بأن تكون من خصم على خصم حاضر - لأنه إذا لم يكن كذلك يكون إفتاء فيحكم بمذهبه لا غير، كما في البحر، قال في الدر: وبه عرف أن تنافيذ زمامنا لا تعتبر لترك ما ذكر (إلا أن يخالف) حكم الأول (الكتاب) فيما لم يختلف في تأويله السلف كمتروك التسمية عمدًا (أو السنة) المشهورة كالتحليل بلا وطء؛ لمخالفته حديث العسيلة المشهور (هو قوله صلى اللّه عليه وسلم:"حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك") (أو الإجماع) كحل المتعة؛ لإجماع الصحابة على فساده (أو يكون قولا لا دليل عليه) كسقوط الدين بمضي السنين من غير مطالبة.

(ولا يقضي القاضي على غائب) ولا له (إلا أن يحضر من يقوم مقامه) كوكيله ووصيه ومتولي الوقف، أو نائبه: شرعا كوصي القاضي، أو حكما بأن يكون ما يدعي على الغائب سببًا لما يدعى به على الحاضر، كأن يدعي دارا في يد رجل ويبرهن عليه أنه اشترى الدار من فلان الغائب فحكم الحاكم به على ذي اليد الحاضر كان حكما على الغائب أيضا، حتى لو حضر وأنكر لم يعتبر، لأن الشراء من المالك سبب الملكية، وله صور كثيرة، ذكر منها جملة في شرح الزاهدي.

(وإذا حكم رجلان) متداعيان (رجلا ليحكم بينهما ورضيا بحكمه) فحكم بينهما (جاز) لأن لهما ولاية على أنفسهما، فصح تحكيمهما، وينفذ حكمه عليهما (إذا كان) المحكم (بصفة الحاكم) ؛ لأنه بمنزلة القاضي بينهما؛ فيشترط فيه ما يشترط في القاضي، وقد فرع على مفهوم ذلك بقوله:

(ولا يجوز تحكيم الكافر) الحربي (والعبد) مطلقًا (والذمي) إلا أن يحكمه ذميان؛ لأنه من أهل الشهادة عليهم فهو من أهل الحكم عليهم (والمحدود في القذف) وإن تاب (والفاسق، والصبي) ؛ لانعدام أهلية القضاء منهم اعتبارًا بأهلية الشهادة، قال في الهداية: والفاسق إذا حكم يجب أن يجوز عندنا كما مر في المولى.

(ولكل واحدٍ من المحكمين) له (أن يرجع) عن تحكيمه، لأنه مقلد من جهتهما، فلا يحكم إلا برضاهما جميعًا، وذلك (ما لم يحكم عليهما، فإذا حكم) عليهما وهما على تحكيمهما (لزمهما) الحكم، لصدوره عن ولاية عليهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت