(والشهادة على الشهادة جائزة في كل حق لا يسقط بالشبهة) قال في الهداية: وهذا استحسان؛ لشدة الحاجة إليها؛ إذ شاهد الأصل قد يعجز عن أداء الشهادة لبعض العوارض، فلو لم تجز الشهادة على شهادته أدى إلى تواء الحقوق، ولهذا جوزنا الشهادة على الشهادة وإن كثرت، إلا أن فيها شبهة من حيث البدلية، أو من حيث إن فيها زيادة احتمال، وقد أمكن الاحتراز عنه بجنس الشهود (و) لذا (لا تقبل في الحدود والقصاص) لأنها تسقط بالشبهة.
(وتجوز شهادة شاهدين) أو رجل وامرأتين (على شهادة شاهدين) ؛ لأن نقل الشهادة من جملة الحقوق، وقد شهدا بحق، ثم بحق آخر، فتقبل؛ لأن شهادة الشهادتين على حقفين جائزة (ولا تقبل شهادة واحد على شهادة واحد) ؛ لأن شهادة الفرد لا تثبت الحق.
(وصفة الإشهاد أن يقول شاهد الأصل) مخاطبا (لشاهد الفرع: اشهد على شهادتي) لأن الفرع كالنائب عنه، فلابد من التحميل والتوكيل كما مر (أني أشهد أن فلان ابن فلان) الفلاني (أقر عندي بكذا وأشهدني) به (على نفسه) ؛ لأنه لابد أن يشهد شاهد الأصل عند الفرع كما يشهد عند القاضي لينقله إلى مجلس القضاء (وإن لم يقل أشهدني على نفسه جاز) ، لأن من سمع إقرار غيره حل له الشهادة وإن لم يقل له اشهد (ويقول شاهد الفرع) عند الأداء لما تحمله: (أشهد أن فلانًا أشهدني على شهادته أنه يشهد أن فلانًا أقر عنده بكذا، وقال لي: اشهد على شهادتي بذلك) ، لأنه لابد من شهادته، وذكر شهادة الأصل، وذكر التحميل، ولها لفظ أطول من هذا وأقصر منه، وخير الأمور أوسطها، هداية.
قال في الدر: والأقصر أن يقول الأصل: اشهد على شهادتي بكذا، ويقول الفرع: أشهد على شهادته بكذا، وعليه فتوى السرخسي وغيره، ابن كمال، وهو الأصح كما في القهستاني عن الزاهدي، اهـ.
(ولا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن) يتعذر حضور شهود الأصل، وذلك بأن (يموت شهود الأصل) عند الأداء (أو يغيبوا مسيرة) سفر (ثلاثة أيام فصاعدا) قال في الدر: واكتفى الثاني بغيبته بحيث يتعذر أن يبيت بأهله، واستحسنه غير واحد، وفي القهستاني والسراجية: وعليه الفتوى، وأقره المصنف، اهـ.
(أو يمرضوا مرضًا) قويًا، بحيث (لا يستطيعون معه حضور مجلس الحاكم) ؛ لأن جوازها للحاجة، وإنما تمس عند عجز الأصل، وبهذه الأشياء يتحقق العجز.
(فإن عدل شهود الأصل) بالنصب على المفعولية (شهود الفرع) بالرفع فاعل"عدل" (جاز) ؛ لأنهم من أهل التزكية، وكذا إذا شهد شاهدان فعدل أحدهما الآخر صح، لما قلناه، هداية.
(وإن سكتوا عن تعديلهم جاز) أيضا (وينظر القاضي في حالهم) أي حال الأصول، كما إذا حضروا بأنفسهم وشهدوا، قال في التصحيح: وهذا عند أبي يوسف، وعليه مشى الأئمة المصححون، وقال محمد: لا تقبل، اهـ.
(وإن أنكر شهود الأصل الشهادة) بأن قالوا: مالنا شهادة على هذه الحادثة، وماتوا أو غابوا، ثم جاء الفروع يشهدون على شهادتهم كما في الكافي، وكذا لو أنكروا التحميل، بأن قالوا: لم نشهدهم على شهادتنا، وماتوا أو غابوا كما في الزيلعي (لم تقبل شهادة شهود الفرع) ، لأن التحميل شرط، وقد فات للتعارض بين الخبرين.
(وقال أبو حنيفة في شاهد الزور: أشهره في السوق) بأن يبعثه إلى سوقه إن كان سوقيا، أو إلى قومه إن كان غيره سوقي، بعد العصر أجمع ما كانوا، ويقول المرسل معه: إن وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروه الناس، كما نقل عن القاضي شريح (ولا أعزره) بالضرب؛ لأن المقصود الانزجار، وهو يحصل بالتشهير، بل ربما يكون أعظم عند الناس من الضرب، فيكتفي به (وقال أبو يوسف ومحمد: نوجعه ضربًا ونحبسه) حتى يحدث توبة. قال في التصحيح: وعلى قول أبي حنيفة مشى النسفي والبرهاني وصدر الشريعة، اهـ. ثم شهد شاهد الزور هو المقر على نفسه بذلك؛ إذ لا طريق إلى إثباته بالبينة، لأنه نفي للشهادة، والبينات للإثبات، وقيل: هو أن يشهد بقتل رجل ثم يجئ المشهود بقتله حيا حتى يثبت كذبه بيقين، أما إذا قال:"أخطأت في الشهادة"أو"غلطت"لا يعزر، جوهرة.