قال في الهداية: وقد اختلفت عبارات المشايخ في الفرق بين المدعى والمدعى عليه فمنها ما قال في الكتاب، وهو حد تام صحيح، وقيل: المدعي من لا يستحق إلا بحجة كالخارج، والمدعى عليه من يكون مستحقا بقوله من غير حجة كذي اليد، وقيل: المدعي من يلتمس غير الظاهر، والمدعى عليه من يتمسك بالظاهر، وقال محمد في الأصل: المدعى عليه هو المنكر، وهذا صحيح، لكن الشأن في معرفته، والترجيح بالفقه عند الحذاق من أصحابنا؛ لأن الاعتبار للمعاني دون الصور؛ فإن المودع إذا قال"رددت الوديعة"فالقول له مع اليمين وإن كان مدعيا للرد صورة، لأنه ينكر الضمان، اهـ.
(ولا تقبل الدعوى) من المدعي ويلزم بها حضور المدعى عليه والمدعى به والجواب (حتى يذكر) المدعي (شيئًا معلومًا في جنسه) كبر أو شعير أو ذهب أو فضة (وقدره) ككذا قفيز أو مثقالا أو درهما؛ لأن فائدة الدعوى الإلزام بواسطة إقامة الحجة، والإلزام في المجهول لا يتحقق.
(فإن كان) المدعى به (عينًا في يد المدعى عليه كلف) المدعى عليه (إحضارها ليشير إليها) المدعي (بالدعوى) والشهود بالشهادة، والمدعى عليه بالاستحلاف؛ لأن الإعلام بأقصى ما يمكن شرط، وذلك بالإشارة في المنقولات، لأن النقل ممكن، والإشارة أبلغ في التعريف (وإن لم تكن) العين (حاضرة) بأن كانت هالكة، أو في نقلها مؤنة (ذكر قيمتها) ليصير المدعى به معلوما؛ لأن القيمة تعرفها معنى، هداية.
(وإن ادعى عقارًا حدده) ؛ لأنه تعذر التعريف بالإشارة لتعذر النقل، فصار إلى التحديد؛ فإن العقار يعرف به، ويذكر الحدود الأربعة، وأسماء أصحابها وأنسابهم، ولابد من ذكر الجد في التصحيح، إلا أن يكون صاحب الحد مشهورا، فيكتفي بذكره، لحصول المقصود. وإن ذكر ثلاثة من الحدود يكتفي بها عندنا، خلافا لزفر، بخلاف ما إذا غلط في الرابع؛ لأنه يختلف به المدعي، ولا كذلك بتركها، وكما يشترط التحديد في الدعوى يشترط في الشهادة، هداية. (وذكر أنه في يد المدعى عليه) ، لأنه إنما ينتصب خصما إذا كان في يده، ولا يكفي تصديق المدعى عليه
أنه في يده، بل لا تثبت اليد فيه إلا بالبينة أو علم القاضي، هو الصحيح نفيًا لتهمة المواضعة، إذ العقار عساه في يد غيرهما، بخلاف المنقول، لأن اليد فيه مشاهدة، هداية (وأنه يطالبه به) لأن المطالبة حقه، فلابد من طلبه، ولأنه يحتمل أن يكون مرهونا في يده أو محبوسًا بالثمن في يده، هداية. وبالمطالبة يزول هذا الاحتمال، وعن هذا قالوا في المنقول: يجب أن يقول"في يد بغير حق"، هداية.
(وإن كان) المدعى به (حقا) أي دينًا (في الذمة ذكر أنه يطالبه به) لأن صاحب الذمة قد حضر، فلم يبق إلا المطالبة.
(فإذا صحت الدعوى) من المدعي (سأل القاضي المدعى عليه عنها) لينكشف له وجه الحكم (فإن اعترف) بدعواه (قضى عليه بها) ؛ لأنه غير متهم في حق نفسه (وإن أنكر سأل المدعي البينة) ؛ لإثبات ما ادعاه (فإن أحضرها قضى بها) لظهور صدقها (وإن عجز عن ذلك وطلب يمين خصمه استحلف) القاضي (عليها) ولابد من طلبه؛ لأن اليمين حقه، وأجمعوا على التحليف بلا طلب في دعوى الدين على الميت، كما في الدر وغيره.
(فإن قال المدعي: لي بينة حاضرة) يعني في المصر (وطلب اليمين لم يستحلف عند أبي حنيفة) وقال أبو يوسف: يستحلف، لأن اليمين حقه، فإذا طالبه به يجيبه. ولأبي حنيفة أن ثبوت الحق في اليمين مرتبٌ على العجز عن إقامة البينة، فلا يكون حقه دونه، كما إذا كانت البينة حاضرة في المجلس، ومحمد مع أبي يوسف فيما ذكر الخصاف، ومع أبي حنيفة فيما ذكر الطحاوي كما في الهداية، وفي التصحيح: قال جمال الإسلام: الصحيح قول أبي حنيفة، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما، اهـ. قيد بحضورها لأنها لو كانت عائبة حلف اتفاقا، وقدر الغيبة في المجتبى بمسيرة السفر.
(ولا ترد اليمين على المدعي) لحديث: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) ، وحديث الشاهد واليمين ضعيف، بل رده ابن معين، بل أنكره الراوي كما في الدر عن العيني.
(يتبع...)
@ (تابع... 1) : - المدعي: من لا يجبر على الخصومة إذا تركها.... ...
(ولا تقبل بينة صاحب اليد في الملك المطلق) ؛ لأنها لا تفيد أكثر مما تفيده اليد، فلو أقام الخارج البينة كانت بينته أولى؛ لأنها أكثر إثباتًا؛ لأنها تظهر الملك له، بخلاف ذي اليد فإن ظاهر الملك ثابت له باليد؛ فلم تثبت له شيئا زائدًا. قيد بالملك المطلق احترازا عن المقيد بدعوى النتاج، وعن المقيد بما إذا ادعيا تلقى الملك من واحد وأحدهما قابض، أو ادعيا الشراء من اثنين، وأرخا وتأريخ ذي اليد أسبق؛ فإنه - في هذه الصور - تقبل بينة ذي اليد بالإجماع، وتمامه في العناية.