(وإذا وقف دارًا على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى) من ماله؛ لأن الغرم بالغنم (فإن امتنع) من له السكنى (من ذلك، أو) عجز بأن (كان فقيرًا أجرها الحاكم) من الموقوف عليه أو غيره (وعمرها بأجرتها) كعمارة الواقف، ولم يزد في الأصح إلا برضا من له السكنى، زيلعي. ولا يجبر الآتي على العمارة، ولا تصح إجارة من له السكنى، بل المتولي أو القاضي كما في الدر (فإذا عمرت) وانقضت مدة إجارتها (ردها إلى من له السكنى) ؛ لأن في ذلك رعاية الحقين حق الواقف بدوام صدقته، وصاحب السكنى بدوام سكناه؛ لأنه لو لم يعمرها تفوت السكنى أصلا، وبالإجارة تتأخر، وتأخير الحق أولى من فواته.
(وما انهدم من بناء الوقف وآلته) وهي الأداة التي يعمل بها كآلة الحراثة في ضيعة الوقف (صرفه الحاكم) أي أعاده (في عمارة الوقف إن احتاج) الوقف (إليه، وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيها) حتى لا يتعذر عليه ذلك أو أن الحاجة فيبطل المقصود، وإن تعذر إعادة عينه بيع وصرف ثمنه إلى المرمة، صرفًا للبدل إلى مصرف البدل.
(ولا يجوز أن يقسمه) أي المنهدمك وكذا بدله (بين مستحقي الوقف) ؛ لأنه جزء من العين، ولا حق لهم فيها، إنما حقهم في المنفعة؛ فلا يصرف لهم غير حقهم.
(وإذا جعل الواقف غلة الوقف) أو بعضها (لنفسه أو جعل الولاية) على الوقف (إليه) أي نفسه (جاز عند أبي يوسف) أما الأول فهو جائز عند أبي يوسف، ولا يجوز على قياس قول محمد، وهو قول هلال الرازي، قال الإمام قاضيخان نقلا عن الفقيه أبي جعفر: وليس في هذا عن محمد رواية ظاهرة، ثم قال: ومشايخ بلخ أخذوا بقول أبي يوسف، وقالوا: يجوز الوقف والشرط جميعًا، وذكر الصدر الشهيد أن الفتوى عليه ترغيبًا للناس في الوقف، ومثله في الفتاوى الصغرى نقلا عن شيخ الإسلام، واعتمده النسفي وأبو الفضل الموصلي. وأما الثاني فقال في الهداية: هو قول هلال أيضًا، وهو ظاهر المذهب، واستدل له دون مقابله، وكذا لو لم يشترط الولاية لأحد فالولاية له عند أبي يوسف، ثم لوصيه إن كان، وإلا فللحاكم كما في فتاوى قارئ الهداية، تصحيح ملخصًا.
(وإذا بنى مسجدًا لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه) الواقف: أي يميزه (عن ملكه بطريقه) ، لأنه لا يخلص للّه تعالى إلا به (ويأذن للناس بالصلاة فيه) ، لأنه من التسليم عند أبي حنيفة ومحمد، وتسليم كل شيء بحبسه، وذلك في المسجد بالصلاة فيه، لتعذر القبض فيه، فقام تحقق المقصود مقامه (فإذا صلى فيه واحد زال ملكه عند أبي حنيفة ومحمد) في رواية، وفي الأخرى - وهي الأشهر - يشترط الصلاة بالجماعة، لأن المسجد يبنى لذلك، وقال الإمام قاضيخان: وعن أبي حنيفة فيه روايتان في رواية الحسن عنه يشترط أداء الصلاة بالجماعة اثنان فصاعدا كما قال محمد، وفي رواية عنه إذا صلى واحد فإذنه يصير مسجدًا! إلا أن بعضهم قال: إذا صلى فيه واحد بأذان وإقامة، وفي ظاهر الرواية لم يذكر هذه الزيادة، والصحيح رواية الحسن عنه، لأن قبض كل شيء وتسليمه يكون بحسب ما يليق به، وذلك في المسجد بأداء الصلاة بالجماعة، أما الواحد فإنه يصلي في كل مكان، قال في التصحيح: واستفدنا منه أن ما عن محمد هو رواية عن أبي حنيفة، هو الصحيح، اهـ. (وقال أبو يوسف: يزول ملكه عنه) أي المسجد (بقوله: جعلته مسجدًا) لأن التسليم عنده ليس بشرط، لأنه إسقاط لملكه فيصير خالصًا للّه تعالى بسقوط حقه.
(ومن بنى سقاية للمسلمين أو خانا يسكنه بنو السبيل) أي المسافرون (أو رباطا) يسكنه الفقراء (أو جعل أرضه مقبرة) لدفن الموتى (لم يزل ملكه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى يحكم به حاكم) ؛ لأنه لم ينقطع عن حقد العمد، ألا يرى أن له أن ينتفع به فيسكن وينزل في الرباط ويشرب من السقاية ويدفن في المقبرة، فيشترط حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت كما في الوقف على الفقراء، بخلاف المسجد، لأنه لم يبق له حق الانتفاع به، فخلص للّه تعالى من غير حكم الحاكم، هداية (وقال أبو يوسف: يزول ملكه بالقول) كما هو أصله، إذ التسليم عنده ليس بشرط (وقال محمد: إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقبرة زال الملك) لأن التسليم عنده شرط، والشرط تسليم نوعه، وذلك بما ذكرناه، ويكتفى بالواحد، لتعذر فعل الجنس كله، وعلى هذا البئر والحوض، ولو سلم إلى المتولي صح التسليم في هذه الوجوه، لأنه نائب عن الموقوف عليه، وفعل النائب كفعل المنوب عنه، وأما في المسجد فقد قيل: لا يكون تسليما، لأنه لا تدبير للمتولي فيه، وقيل: يكون تسليما، لأنه يحتاج إلى من يكنسه ويغلق بابه، فإذا سلم صح تسليمه إليه، والمقبرة في هذا بمنزلة المسجد على ما قيل، لأنه لا متولي له عرفا، وقد قيل: هي بمنزلة السقاية والخان، فيصح التسليم إلى المتولي، لأنه لو نصب المتولي صح وإن كان بخلاف العادة؛ هداية.
(يتبع...)
@ (تابع... 1) : - لا يزول ملك الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة إلا أن يحكم به الحاكم... ...