فلما سمعها علي - رضي الله عنه - قال: هذا طلحة بن عبيد الله، وكان السيف يومئذٍ ليلتئد مجردًا بينهما.
فانظر إلى عظمة الإنصاف، وروح المودة، وشرف الخصومة.
ولا ريب أن هذه المعاني تحتاج إلى مراوضة النفس كثيرًا، وإلى تذكيرها بأدب الإنصاف، وإنذارها ما يترتب على العناد والتعصب من الإثم والفساد.
وإذا استقبلنا الخلاف والردود بتلك الروح السامية، والنفس المطمئنة صارت رحمةً، وإصلاحًا، وتقويمًا، وارتقاءً بالعقول، وتزكية للنفوس.
وبهذا نحفظ لرجالنا، وأهل العلم منا مكانتهم في القلوب، ونضمن _بإذن الله_ لأمتنا تماسكها وصلابة عودها، ونوصد الباب أمام من يسعى لتفريقها والإيضاع خلالها .
والعجيب أن ترى أن اثنين من أهل العلم قد يكون بينهما خلاف حول مسألة أو مسائل، وتجد أتباعهما يتعادون، ويتمارون، وكل فريق يتعصب لصاحبه مع أن صاحبي الشأن بينهما من الود، والصلة، والرحمة الشيء الكثير!.
وأخيرًا لنستحضر أن ذلك امتحان لعقولنا وأدياننا؛ فلنحسن القول، ولنحسن العمل، ولنجانب الهوى.
الرابع والعشرون: إشاعة روح التعاون على البر والتقوى والحرص على الإفادة من كل أحد:
فهذا مما ينمي روح المودة، ويقضي على الكسل والبطالة؛ فإن من النعم الكبرى كثرةَ طرق الخير، وتعَّددَ السبل الموصلة إلى البر؛ فلا يسوغ _والحالة هذه_ أن يُقَلَّل من أي عمل من أعمال الخير؛ فالمسلم بحاجة إلى ما يقربه إلى ربه، والأمة بحاجة إلى كل عمل من شأنه رفعُ راية الإسلام، وإعزازُ أهله.
وإذا شاعت روح التعاون بين أفراد الأمة في شتى الميادين_أمكن الإفادة من كل شخص مهما قلت مواهبه، ومن كل فرصة ووسيلة ما دامت جارية على مقتضى الشرع.
أما إذا اقتصر كل واحد منا على باب من أبواب الخير، ورأى أنه هو السبيل الوحيد للنهوض بالأمة، وقبض يده عن التعاون مع غيره ممن فتح عليهم أبواب أخرى من