إن الله - جلت قدرته وتعالت أسماؤه - أكرمنا أمة محمد بأن جعلنا خير أمة أخرجت للناس شهداء على الناس أكرمنا بأن جعلنا وسطا أي عدلًا خيارًا لا إفراط فيها ولا تفريط ولا جفاء ولا جحود ولا جمود ولا جهل ولا انحراف ولا ضلال.
أكرمنا سبحانه بأن جعلنا وسطا بين الأمم السابقة وأنبيائها، وسطًا بين نِحَل هذه الأمة، أعني أمة الدعوة، التي أخبر عنها رسول الله - - بقوله: (( ستفترق أمتي على اثنين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي الجماعة ) )وفي رواية قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: (( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) ).
فالأمة الوسط الممدوحة الناجية هي الأمة المستقيمة على شرع الله السالكة الصراط المستقيم الذي أمرنا أن نسأله أن يهدينا له في كل ركعة من ركعات صلواتنا اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وهذا الصراط المستقيم هو دين الإسلام المحض، وهو ما عليه الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة الفرقة الوسط الخيار الملتزمة لدين الله المتوسطة في جميع أمورها في باب الإيمان بالأنبياء، فلم تَغْلُ كما غلت النصارى في نبيها وعلمائها باتخاذهم أربابًا من دون الله، ولم تَجْفُ كما جفت اليهود الذين يقتلون النبيين والذين يأمرون بالقسط من الناس، وإنما آمنوا بهم وعزروهم واتبعوهم فيما أمروا أن يتبعوهم فيه، المتوسطة في باب صفات الله وأسمائه بين أهل التعطيل الذين يلحدون في صفات الله وأسمائه ويعطلون حقائق ما وصف الله سبحانه به نفسه وما وصفه به رسوله حتى شبهوه بالعدم والأموات وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. فهم - أي الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء يصفون الله سبحانه ويسمونه بما وصف وسمى به نفسه وبما وصفه وسماه به رسوله - - من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل على حد قوله سبحانه: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ،