المطلب الثاني عشر
أهل الأهواء نوعان: داعية وغير داعية
إِنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم -: وَأَنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ عَلَى وَصْفِ كَذَا ، يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ مِنْ أُمَّتِهِ فِي هَوًى مِنْ تِلْكَ الْأَهْوَاءِ وَرَآهَا وَذَهَبَ إِلَيْهَا ، فَإِنَّ هَوَاهُ يَجْرِي فِيهِ مَجْرَى الْكَلْبِ بِصَاحِبِهِ فَلَا يَرْجِعُ أَبَدًا عَنْ هَوَاهُ وَلَا يَتُوبُ مِنْ بِدْعَتِهِ .
وَالثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أُمَّتَهُ مَنْ يَكُونُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الْبِدْعَةِ مُشْرَبَ الْقَلْبِ بِهَا فَلَا يُمْكِنُهُ التَّوْبَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ ، فَيُمْكِنُهُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَالرُّجُوعُ عَنْهَا .
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْأَوَّلِ هُوَ النَّقْلُ الْمُقْتَضِي الْحَجْرَ لِلتَّوْبَةِ عَنْ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ عَلَى الْعُمُومِ ، كَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -:"يَكُونُ مِنْ بَعْدِي قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينَ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فَوْقِهِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ، وَطُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ، شَرُّ قَتْلَى أَظَلَّتْهُمُ السَّمَاءُ وَأَقَلَّتَهُمُ الْأَرْضُ، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ" [1]
وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ اللهَ حَجَرَ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ" [2] ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْوَاقِعُ ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا تَجِدُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ ارْتَضَاهَا لِنَفْسِهِ يَخْرُجُ عَنْهَا أَوْ يَتُوبُ مِنْهَا ، بَلْ هُوَ يَزْدَادُ بِضَلَالَتِهَا بَصِيرَةً .
رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ:"مَثَلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ مَثَلُ الْمَجْنُونِ الَّذِي عُولِجَ ثُمَّ بَرِئَ فَأَعْقَلَ مَا يَكُونُ قَدْ هَاجَ بِهِ" [3] .
(1) - معرفة الصحابة لأبي نعيم - (3 / 1630) (4099) حسن
(2) - شعب الإيمان - (12 / 54) (9010 ) حسن
البدعة بِدْعَتَان: بدعة هُدًى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمَر اللّه به ورسوله صلى اللّه عليه وسلم فهو في حَيِّز الذّم والإنكار، وما كان واقعا تحت عُموم ما نَدب اللّه إليه وحَضَّ عليه اللّه أو رسوله فهو في حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنَوْع من الجُود والسخاء وفعْل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما وَردَ الشرع به
(3) - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر - (1221) صحيح