فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 366

الْفُتْيَا ، لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ ظَهَرَ فِي رُتْبَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَيَضِلُّ مِنْ حَيْثُ يَطْلُبُ الْهِدَايَةَ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ .

المطلب الثامن عشر

تعيين وصف الفرقة الناجية دون الموصوف

إِنَّ هَاهُنَا نَظَرًا لَفْظِيًّا فِي الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ جَمِيعَ الْفِرَقِ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الْمُفَسِّرَةُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، فَجَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى السُّؤَالُ عَنْهَا - سُؤَالُ التَّعْيِينِ - فَقَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَأَصْلُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: أَنَا وَأَصْحَابِي ، وَمَنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِنَا . أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْطِي تَعْيِينَ الْفِرْقَةِ ، إِمَّا بِالْإِشَارَةِ أَوْ بِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا . إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْجَوَابِ تَعْيِينُ الْوَصْفِ لَا تَعْيِينُ الْمَوْصُوفِ ، فَلِذَلِكَ أَتَى بِمَا أَتَى ، فَظَاهَرُهَا الْوُقُوعُ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ مِنَ الْأَوْصَافِ وَغَيْرِهَا ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوْصَافُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَمْ يُطَابِقِ السُّؤَالُ الْجَوَابَ فِي اللَّفْظِ . وَالْعُذْرُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَلْتَزِمُ ذَلِكَ النَّوْعَ إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى ،لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا عَنْ تَعْيِينِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ بَيَّنَ لَهُمُ الْوَصْفَ الَّذِي بِهِ صَارَتْ نَاجِيَةً ، فَقَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي .

وَمِمَّا جَاءَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُطَابِقٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (15) سورة آل عمران، فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَعْنَاهُ: هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا ؟ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ ! أَخْبِرْنَا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ الْآيَةَ . أَيْ لِلَّذِينِ اتَّقَوُا اسْتَقَرَّ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ الْآيَةَ . فَأَعْطَى مَضْمُونُ الْكَلَامِ مَعْنَى الْجَوَابِ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ .وَهَذَا التَّقْرِيرُ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت