إنَّ ربكم جلَّت عظمته وتقدَّست أسماؤه بعث صفيَّه محمّدًا على فَترةٍ من الرّسُل، وأنزل عليه الكتابَ والحِكمة، ودعَا إلى ربِّه على بصيرةٍ، فعلِم الناس من القرآن، وعلِموا من السنّة، وفقهوا في دين الله تعالى، وما لحِق رسولُ الله بالرّفيق الأعلى حتى ترَك أمّتَه على المنهاجِ الواضح والصّراط المستقيم، قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] ، وقال: (( تركتُكم على المحجَّة البيضاء، ليلُها كنهارِها، لا يزيغ عنها إلا هالك ) ) [1] .
فبيَّن الله تعالى أصولَ الإيمان وصفاتِ المؤمنين، فقال جلّ ذكره: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177] . وبيَّن الرسولُ مراتبَ الدينِ في الحديث لمّا سأله جبريلُ عليه الصّلاة والسلام وهي الإسلام والإيمان والإحسان [2] ، وسنَّ عليه الصلاة والسلام السّنَن، وشرَع الأحكام، وفصَل الحلال والحرام، وبيَّن مسائل العقيدةِ أكمَلَ بيان، وحقَّق عليه الصلاة والسلام مقامَاتِ العبودية لربِّه، وكفى نبيَّنا محمّدًا شرفًا وقَدرًا ثناءُ الله تعالى عليه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] .
والصّحابة رضي الله عنهم تربيةُ رسول الله ونقَلَةُ الشريعةِ والمجاهدون في سبيلِ الله، اختارَهم الله لصُحبة نبيِّه عليه الصلاة والسلام، ووصَفهم الربُّ تبارك وتعالى بالإيمان الكامِل والسَّبق إلى الخيراتِ وفِعل الصّالحات فقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:74] ، وقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ