وَإِمَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الَّتِي نَجَتْ لَيْسَتْ فِرَقًا ثَلَاثًا ، وَإِنَّمَا هِيَ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ انْقَسَمَتْ إِلَى الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ ، لِأَنَّ الرِّوَايَةَ الْوَاقِعَةَ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ هِيَ قَوْلُهُ نَجَا مِنْهَا ثَلَاثٌ [1] وَلَمْ يُفَسِّرْهَا بِثَلَاثِ فِرَقٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ ظَاهِرَ الْمَسَاقِ . وَلَكِنِّ قَصْدَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَمَعَانِي الْحَدِيثِ أَلْجَأَ إِلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ رَسُولَهُ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -: كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ ،وَفَسَّرَهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهَذَا نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ .
المطلب السادس
لماذا لم يعين الحديث من الفرق إلا الفرقة الناجية ؟
إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُعَيِّنْ مِنَ الْفِرَقِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِعَدِّهَا خَاصَّةً ، وَأَشَارَ إِلَى الْفِرَقِ النَّاجِيَةِ حِينَ سُئِلَ عَنْهَا ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ لِأُمُورٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ تَعْيِينَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ هُوَ الْآكَدُ فِي الْبَيَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَعَبُّدِ الْمُكَلَّفِ وَالْأَحَقِّ بِالذِّكْرِ ،إِذْ لَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ الْفِرَقِ الْبَاقِيَةِ إِذَا عُيِّنَتِ الْوَاحِدَةُ . وَأَيْضًا لَوْ عُيِّنَتِ الْفِرَقُ كُلُّهَا إِلَّا هَذِهِ الْأُمَّةَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ بَيَانِهَا ، لَأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا يَقْتَضِي تَرْكَ أُمُورٍ، وَهِيَ الْبِدَعُ . وَالتَّرْكُ لِلشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي فِعْلَ شَيْءٍ آخَرَ لَا ضِدًّا وَلَا خِلَافًا ، فَذِكْرُ الْوَاحِدَةِ هُوَ الْمُفِيدُ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
أَسْبَابُ تَعْيِينِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ فَقَطْ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهَا أَنَّ تَعْيِينَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ هُوَ الْآكَدُ فِي الْبَيَانِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ أَوْجَزُ لِأَنَّهُ إِذَا ذُكِرَتْ نِحْلَةُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ عُلِمَ عَلَى الْبَدِيهَةِ أَنَّ مَا سِوَاهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا لَيْسَ بِنَاجٍ ، وَحَصَلَ التَّعْيِينُ بِالِاجْتِهَادِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ذُكِرَتِ الْفِرَقُ إِلَّا النَّاجِيَةَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي شَرْحًا كَثِيرًا ،وَلَا يَقْتَضِي فِي الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ اجْتِهَادٌ ، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَكُونُ مُخَالَفَتُهَا بِدَعًا لَا حَظَّ لِلْعَقْلِ فِي الِاجْتِهَادِ فِيهَا .
(1) - المستدرك للحاكم (3790)