أيها المسلمون: كان نبيكم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم. ويقول: (( بعثت وأنا والساعة كهاتين ) ) [1] ، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: (( أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ) ). وفي رواية للنسائي رحمه الله زيادة: (( وكل ضلالة في النار ) ) [2] .
ولقد حدث الصحابي الجليل العرباض بن سارية فقال: وعظنا رسول الله موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: (( أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة ) ) [3] .
أيها المسلمون: هذا بيان نبيكم محمد ووصيته إياكم وتبليغه لكم؛ فهل بعد هذا البيان بيان؟ وهل وراء هذه الوصية وصية؟ وهل فوق هذا التبليغ تبليغ؟ لقد تضمن هذان الحديثان الجليلان فيما تضمناه من الوصايا الكريمة والنصائح المهمة: التأكيد على أصول اعتقادية عظيمة، وقواعد منهجية راسخة، وموازين سلوكية مستقيمة يقوم عليها الإيمان، ويحفظ بها للعقيدة الأساس والبنيان، وتوزن بها المقاصد والأعمال والأقوال، وتعرف بها أحوال الرجال، وتعرض عليها الحوادث المستجدة، ويُقوَّم بموجبها سلوك الفرد والأمة، ويضمن المستمسك بها ممن خلف السير في كل الأمور على هدي خير السلف.
أيها المسلمون: فأصل تلك الأصول التي أمر الرسول بالتمسك بها كتاب الله خير الحديث، وأصدق القول، وأشرف الذكر، وأعظم الذخر، فإنه حبل الله المتين، ونوره المبين، وصراطه المستقيم، الهادي لكل أمر قويم، وهدى مستقيم، من تمسك به رفعه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، ومن تركه من جبار قصمه الله، نعته الله بأجمل نعت، ووصفه بأكرم، وصف بأنه ذكر للعالمين، ورحمة للمؤمنين، وهدى للمتقين، وبشرى