فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 366

وَقَالَ تَعَالَى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ} (15) سورة محمد. فَقَوْلُهُ: مَثَلُ الْجَنَّةِ يَقْتَضِي الْمَثَلَ لَا الْمُمَثَّلُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} (17) سورة البقرة، وَلِأَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْمُمَثَّلَ جَاءَ بِهِ بِعَيْنِهِ .

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا ذَكَرَ الْفِرَقَ وَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا فِرْقَةً نَاجِيَةً ، كَانَ الْأَوْلَى السُّؤَالَ عَنْ أَعْمَالِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ ، لَا عَنْ نَفْسِ الْفِرْقَةِ؛لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِيهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَعْمَالِهَا الَّتِي نَجَتْ بِهَا . فَالْمُتَقَدِّمُ فِي الِاعْتِبَارِ هُوَ الْعَمَلُ لَا الْعَامِلُ ، فَلَوْ سَأَلُوا: مَا وَصْفُهَا ؟ أَوْ مَا عَمَلُهَا ؟ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَكَانَ أَشَدَّ مُطَابَقَةً فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى ، فَلَمَّا فَهِمَ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُمْ مَا قَصَدُوا أَجَابَهُمْ عَلَى ذَلِكَ .

وَنَقُولُ: لَمَّا تَرَكُوا السُّؤَالَ عَمَّا كَانَ الْأَوْلَى فِي حَقِّهِمْ ، أَتَى بِهِ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ ، حِرْصًا مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى تَعْلِيمِهِمْ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ تَعَلُّمُهُ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ .

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَا سَأَلُوا عَنْهُ لَا يَتَعَيَّنُ ،إِذْ لَا تَخْتَصُّ النَّجَاةُ بِمَنْ تَقَدَّمَ دُونَ مَنْ تَأَخَّرَ ،إِذْ كَانُوا قَدِ اتَّصَفُوا بِوَصْفِ التَّأْخِيرِ .

وَمِنْ شَأْنِ هَذَا السُّؤَالِ التَّعْيِينُ،وَعَدَمُ انْحِصَارِهِمْ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ لَا يَقْتَضِي التَّعْيِينَ ،وَانْصَرَفَ الْقَصْدُ إِلَى تَعْيِينِ الْوَصْفِ الضَّابِطِ لِلْجَمِيعِ،وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ.

وَهَذَا الْجَوَابُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا كَالْمُبْهَمِ ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّائِلِ مُعَيَّنٌ ، لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ لِلْحَاضِرِينَ مَعَهُمْ رَأْيَ عَيْنٍ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ غَايَةُ التَّعْيِينِ اللَّائِقِ بِمَنْ حَضَرَ ، فَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يُشَاهِدْ أَحْوَالَهُمْ وَلَمْ يَنْظُرْ أَعْمَالَهُمْ فَلَيْسَ مِثْلَهُمْ ، وَلَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ بِذَلِكَ عَنِ التَّعْيِينِ الْمَقْصُودِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى .

المطلب التاسع عشر

معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل أهل الابتداع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت