فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 366

ثُمَّ إِنَّ مُخَالَفَةَ هَذِهِ الْأُصُولِ عَلَى قِسْمَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَالِفَ أَصْلًا مُخَالَفَةً ظَاهِرَةً مِنْ غَيْرِ اسْتِمْسَاكٍ بِأَصْلٍ آخَرَ ، فَهَذَا لَا يَقَعُ مِنْ مُفْتٍ مَشْهُورٍ ؛إِلَّا إِذَا كَانَ الْأَصْلُ لَمْ يَبْلُغْهُ ، كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ بَعْضُ السُّنَنِ فَخَالَفُوهَا خَطَأً ،وَأَمَّا الْأُصُولُ الْمَشْهُورَةُ فَلَا يُخَالِفُهَا مُسْلِمٌ خِلَافًا ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ بِأَصْلٍ آخَرَ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُخَالِفَهَا بَعْضُ الْمَشْهُورِينَ بِالْفُتْيَا

وَالثَّانِي: أَنْ يُخَالِفَ الْأَصْلَ بِنَوْعٍ مِنَ التَّأْوِيلِ هُوَ فِيهِ مُخْطِئٌ ، بِأَنْ يَضَعَ الِاسْمَ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوْ عَلَى بَعْضِ مَوَاضِعِهِ ،أَوْ يُرَاعِيَ فِيهِ مُجَرَّدَ اللَّفْظِ دُونَ اعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّأْوِيلِ .

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّ تَحْلِيلَ الشَّيْءِ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا فَحَرَّمَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلِ ، أَوِ التَّحْرِيمَ مَشْهُورًا فَحَلَّلَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ كَانَ كُفْرًا وَعِنَادًا ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تَتَّخِذُهُ الْأُمَّةُ رَأْسًا قَطُّ ،إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ قَدْ كَفَرَتْ ،وَالْأُمَّةُ لَا تَكْفُرُ أَبَدًا .

وَإِذَا بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا تَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ حَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ . وَإِذَا كَانَ التَّحْلِيلُ أَوِ التَّحْرِيمُ غَيْرَ مَشْهُورٍ فَخَالَفَهُ مُخَالِفٌ لَمْ يَبْلُغْهُ دَلِيلُهُ ، فَمِثْلُ هَذَا لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا مِنْ لَدُنْ زَمَانِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ ،فَلَا تَضِلُّ الْأُمَّةُ وَلَا يَنْهَدِمُ الْإِسْلَامُ وَلَا يُقَالُ لِهَذَا: إِنَّهُ مُحْدَثٌ عِنْدَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ .

فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ إِنَّمَا هُوَ اسْتِحْلَالُ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ أَوِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَهُ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ تَرَكُوا مُعْظَمَ الْكِتَابِ وَالَّذِي تَضَافَرَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّتُهُ ، وَتَوَاطَأَتْ عَلَى مَعْنَاهُ شَوَاهِدُهُ ، وَأَخَذُوا فِي اتِّبَاعِ بَعْضِ الْمُتَشَابِهَاتِ وَتَرْكِ أُمِّ الْكِتَابِ .

فَإِذًا هَذَا - كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - زَيْغٌ وَمَيْلٌ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، فَإِنْ تَقَدَّمَ أَئِمَّةٌ يُفْتُونَ وَيُقْتَدَى بِهِمْ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ سَكَنَتْ إِلَيْهِمُ الدَّهْمَاءُ ظَنًّا أَنَّهُمْ بَالَغُوا لَهُمْ فِي الِاحْتِيَاطِ عَلَى الدِّينِ ، وَهُمْ يَضِلُّونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ دَاهِيَةٍ تَقَعُ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ، فَإِنَّهُ لَوْ عَلِمَ طَرِيقَهَا لَتَوَقَّاهَا مَا اسْتَطَاعَ ، فَإِذَا جَاءَتْهُ عَلَى غِرَّةٍ فَهِيَ أَدْهَى وَأَعْظَمُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ بِهِ ،وَهُوَ ظَاهِرٌ ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا جَاءَتِ الْعَامِّيَّ مِنْ طَرِيقِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت