وأمور القلوب لها أسبابٌ كثيرة، ولا يعرف كل أحد حال غيره من إيذاءٍ له بقولٍ أو فعل، قد يحسب المؤذى- إذا كان مظلومًا لا ريب فيه- أن ذلك المؤذي محض باغ عليه، ويحسب أنَّه يدفع ظلمه بكل ممكن. ويكون مخطئًا في هذين الأصلين، إذ قد يكون المؤذي متأولًا مخطئا، وإن كان ظالمًا لا تأويل له فلا يحل دفع ظلمه بما فيه فتنة بين الأمة، وبما فيه شر أعظم من ظلمه. بل يؤمرُ المظلوم ها هنا بالصبر، فإنَّ ذلك في حقه محنة وفتنة. وإنَّما يقع المظلومُ في هذا لجزعه وضعف صبره، أو لقلة علمه وضعف رأيه. فإنَّهُ قد يحسب أنَّ القتل ونحوه من الفتن يدفع الظلم عنه، ولا يعلم أنَّه يضاعفُ الشر كما هو الواقع، وقد يكون جزعه يمنعه من الصبر.
والله سبحانه وصف الأئمة بالصبر واليقين، فقال: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ ) ) [السجدة:24] .
وقال: (( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ) [العصر:3] [4] ا. هـ.
وهذا الكلام من شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى- وإن كان متوجهًا
إلى فتنة البغي والاختلاف بين المسلمين، لكننا نجدهُ يعمم ذلك على كل فتنة، حيث يقول فيما سبق: (فالفتنة: إمَّا من ترك الحق، وإما من ترك الصبر) .
أمَّا الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى- فيحيل أسباب الفتن إلى الشبهات أو الشهوات، وهما نفس ما ذكرهُ شيخ الإسلام من الأسباب. فالشبهةُ إنما تنشأ من ترك الحق والجهل به، بينما تنشأ الشهوةُ من ترك الصبر وضعفه.
يقول الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى-:
[ والفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات.
وقد يجتمعان للعبد. وقد ينفرد بإحداهما.
ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى؛ فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث الله به