فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 366

الجنة ،مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث ، فكيف يتمشى هذا ؟ فبعض الناس تكلم في ضعف هذه الجملة ، وقال: هي زيادة غير ثابتة . وبعضهم تأول الكلام . قال: ومن المعلوم أن ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف ،فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة . إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها . وإذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل ، وفيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر ،ولكنها لم تخص معينا من هذه الفرق التي قد تحزبت والتأم بعضهم إلى قوم وخالف آخرون بحسب مسائل عديدة .

ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته:"إن الناس عامة وخاصة ، فالعامة آخرهم كأولهم ، النساء والعبيد والفلاحين والسوقة ونحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء ، فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم ."

وأما الخاصة ، فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها نصب عينيه ، وبلغ في تقويتها كل مبلغ ، وجعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب والسنَّة ، ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه والتعصب ، وربما جددوا بدعته وفرعوا عليها وحملوه ما لم يتحمله ، ولكنه إمامهم المقدم وهؤلاء هم المبتدعة حقا ، وهو شيء كبير {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} (90) سورة مريم ، كنفي حكمة الله تعالى ،ونفي إقداره المكلف،وككونه يكلف ما لا يطاق ،ويفعل سائر القبائح ولا تقبح منه ، وأخواتهن ! ومنها ما هو دون ذلك ، وحقائقها جميعها عند الله تعالى ، ولا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث وسبعين فرقة .

ومن الناس من تبع هؤلاء وناصرهم وقوى سوادهم بالتدريس والتصنيف ، ولكنه عند نفسه راجع إلى الحق ، وقد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي ، ولعله تخيل مصلحة دنيئة ،أو عظم عليه انحطاط نفسه وإيذاؤهم له في عرضه وربما بلغت الأذية إلى نفسه . وعلى الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل ، وتخبط في تصرفاته ، وحسابه على الله سبحانه ، إما أن يحشره مع من أحب بظاهر حاله ، أو يقبل عذره ،وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت