تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك ،لكن شرهم والله كثير ، فلربما لم يقع خبرهم بمكان ، وذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث ، وقد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة ، وليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق ويخفيه . والله المستعان .
ومن الناس من ليس من أهل التحقيق ، ولا هيء للهجوم على الحقائق ، وقد تدرب في كلام الناس ، وعرف أوائل الأبحاث ، وحفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه ولكن أرواح الأبحاث بينه وبينها حائل . وقد يكون ذلك لقصور الهمة والاكتفاء والرضا عن السلف لوقعهم في النفوس . وهؤلاء هم الأكثرون عددا ، والأرذلون قدرا ، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة ، ولا أدركوا سلامة العامة . فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعا . والثاني ظاهره الابتداع ، والثالث له حكم الابتداع .
ومن الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين ، وقليل من الآخرين ، أقبلوا على الكتاب والسنة وساروا بسيرها ، وسكتوا عما سكتا عنه ، وأقدموا وأحجموا بهما وتركوا تكلف مالا يعنيهم ، وكان تهمهم السلامة ، وحياة السنَّة آثر عندهم من حياة نفوسهم ، وقرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى ،وفهم معانيه على السليقة العربية والتفسيرات المروية ، ومعرفة ثبوت حديث نبوي لفظا وحكما .
فهؤلاء هم السنية حقا ،وهم الفرقة الناجية ،وإليهم العامة بأسرهم ، ومن شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين ، بحسب علمه بقدر بدعتهم ونياتهم .
إذا حققت جميع ما ذكرنا لك ، لم يلزمك السؤال المحذور وهو الهلاك على معظم الأمة ، لأن الأكثر عددا هم العامة قديما وحديثا ، وكذلك الخاصة في الأعصار المتقدمة ، ولعل القسمين الأوسطين ، وكذا من خفت بدعته من الأول ، تنقذهم رحمة ربك من النظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية ، ورحمة ربك أوسع لكل مسلم ، لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث ومصداقه ، وأن أفراد الفرق المبتدعة وإن كثرت الفرق فلعله لا