الأمر الثالث: الاستعاذة بالله تعالى والالتجاء إليه والتحصن به وتفويض الأمور إليه والتوكل عليه؛ لأنه الذي يفعل ما يريد، وهو الذي يقول للشيء: كن فيكون، وهو الذي له الأمر من قبل ومن بعد، وهو الذي له مقاليد السماوات والأرض، وهو الذي كل شيء بأمره، وقد وعد تعالى أولياءه بإعاذتهم إذا استعاذوه، يقول تعالى في الحديث القدسي: (( وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ) ). وقد كان يتعوذ بالله من الفتن فيقول: (( تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ) ), وكان يقول: (( وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات ) ), ويقول: (( وإن أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ) ).
الأمر الرابع: الصبر على طاعة الله والمداومة عليها وعدم الملل، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن الطاعة باب حصين يتحصن بها العبد من الفتن، وهي رضوان الله الذي يكتب به رضوانه إلى يوم القيامة، وهي حفظه الذي يحفظ بها عبده، وهي النور في القلب والبياض في الوجه والصبر عن المعصية؛ لأنها طريق إلى النار، وخطوة من خطوات الشيطان، ونافذة من نوافذ الهلاك، والصبر عن المعصية أهون من الصبر على النار، والصبر على أقدار الله التي قدرها على العبد من قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، يقول تعالى: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22] ، ويقول: (( واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ) ).
وقد أمرنا الله بالاستعانة بالصبر يقول تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153] ، ومن حديث خباب بن الأرت قال له لما شكا فتنة الأذى: (( لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض، فيُجعل فيها، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه ) )رواه البخاري.