والفتن تعرض على القلوب؛ لأن افتتانها افتتان للجسد كلّه، وسلامتها سلامة للبدن كله، يقول: (( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشْربها نُكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أَنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادًا كالكوز مجخِّيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشْرب من هواه ) ).
ولنعلم ـ عباد الله ـ أن المخرج من هذه الفتن عدة أمور:
الأمر الأول: الاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما، فإنهما حِفظٌ لمن تمسك بهما، والتمسك بهما يقتضي قراءتهما والعمل بهما والتحاكم إليهما وتقديمهما على كل كتاب وعلى كل قراءة وإشغال المجالس بهما وتذكير الناس بهما، فإنهما مصدرا الشريعة، وهما حبل الله القويم وصراطه المستقيم، من تمسك بهما رشد، ومن تركهما ضل، يقول تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى [طه:123] ، ويقول: إِنَّ هَاذَا الْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] ، ويقول: (( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ) ).
والأمر الثاني: كثرة العبادة لله الواحد القهار، فإنها اتصال دائم بالله، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وهي وظيفة الإنسان في الدنيا، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ، وهي حق الله على العبيد، قال لمعاذ: (( حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ) ).
والعبادة دوام للتوبة، ودوام للطاعة، وحفظ من الشيطان، ومضاعفة للحسنات، ومغفرة للسيئات، ورفعة في الدرجات، وحفظ للأوقات، يقول تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى ءادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِى هَاذَا صِراطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ [يس:60-62] ، ويقول: (( العبادة في الهرج كهجرة إليّ ) )، والمراد بالهرج الفتنة واشتغال الناس بها، فالعبادة تشغل عن الفتنة وتسد أبوابها.